الدورة الثانية والثلاثين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي
سينما اللؤلؤة السوداء بدت أكثر تألقاً
الهجرة الغير شرعية الهاجس الحدودي بين اسبانيا والمغرب يخلق نتاجاً هائلا من الابداع

مرت فعاليات الدورة الثانية والثلاثين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي تحمل معها أيام وليلالي حاشدة بالعديد من الافلام التي أسعدتنا وحيرتنا معها في التجول بين دور العرض المختلفة لمتابعتها لكنها كانت حيره تستحق الاهتمام فإختيارات المهرجان هذا العام كانت ثرية جداً ومتنوعة وربما منها المبتكر مثل إبراز سينما مغمورة ومنسية مثل السينما الإفريقية التي كانت لها نصيب كبير جداً من الاهتمام في هذه الدورة سواء من خلال الندوات او من خلال تدفق المشاهدين علي اعمالها والعدد الكبير جداً من الأعمال التي قدمت تعريف مختلف عن هوية السينما الافريقية التي تعودنا ان نراها في الاعمال ذات الانتاج الاوربي والتي لطالما جسدت لنا واقع لجانب واحد فقط من حياة هذا الشعب وهو الجانب الاسوء الذي تعكسه مافيا هوليود بصورة مبتذلة بعض الشيء , فجعلت صورة هذا العالم مطبوعة في أذهاننا علي أنهم شعب لا يسكنه سوي الفقر والمرض وحوادث القتل والخطف والنزاعات الداخلية وغيرها من المواضيع التي وضعت لنا سينما الجنوب الافريقي في قالب محدد وما ساعدهم علي ذلك هي بالتأكيد العزلة التي حاصرت صناعة السينما في افريقيا والتي تمنع المبدعين وصناع السينما الافارقة في التعبير بأنفسهم عن وجهة نظرهم الحية في القضايا والاحداث الاخري التي تحل بمجتمعهم وتغير الصورة النمطية التي رسختها السينما في هوليود وفي اوربا عن صورة الانسان الافريقي علي انه مجرد عبد فقير تحكمه قوة الجهل والسلطة الغربية . صناعة السينما في افريقيا لم تبدأ كما بدأت في باقي العالم علي يد ابناء شعبها , ولكنها بدأت علي يد قوي غربية قوة الاستعمار التي كانت تحتل البلاد تلك الفترة والتي بدأت بإستغلال هذا الفن والذي أعتبروه سلاح جديد يفوق قوة البارود تأثيراً علي الناس إستغلته قوة الاستعمار في نشر أفكارها الاستعمارية بصورة خفيه ورسم صورة للمواطن الإفريقي أبعد ما تكون عن الواقع تجعله يبدو كعبد مسلوب العقل والتاريخ واستمرت هذه الموجة طيلة الاحتلال الفرنسي لإفريقيا والتي نتج عنها ما يزيد عن مئتي وعشرين فيلماً كما لقبوا هذا الانتاج بالافلام الدعائية التي تحمل في محتواها معاناة المستعمر الفرنسي في هذه البلاد , دون أن تلقي أدني نظرة موضوعية علي الجاني الاخر من المعاناة وهو الشعب المُستعمر صاحب هذه الارض , وحتي المشاهد التي إحتوت علي القليل من هؤلاء الأفارقة أو السكان الاصليين كما يسميهم البعض لم تكن فقط مشاهد مهمشة أو علي قدر كبير من التجاهل المقصود ولكن كانت بعض المشاهد تعطي ايحاءات وتعبيرات سلبية وعنصرية لهؤلاء السكان علي انهم جنس ثالث لا يصلح إلا أن يكون عبيد وخدم للجنس الابيض الارقي . وإستمر هذا الأحتلال الفكري والنفسي لسنوات طويلة إلي ان جاء بولين سومانوفييرا بأول أفلامه الروائية الذي يعتبر أول فيلماً إفريقياً خالصاً يصوره مخرج افريقي وهو بعنوان إفريقيا علي نهر السين لكنه صور بأكمله في عاصمة النور باريس عام 1955 مما جعله يفقد كثيراً من تأثيره الذي ربما كان سيتضاعف لو صور في افريقيا والفيلم يحاكي قصة المهاجر الإفريقي في فرنسا في فترة الخمسينات من القرن الماضي وأثناء الاحتلال الفرنسي لإفريقيا ومن ثم يأتي عثمان سمبين المخرج السنغالي الذي يلقبوه في افريقيا بأبو السينما الافريقية الحقيقية وهي السينما التي إتخذت من كل البلاد الافريقية أرضاً لها وفي موضوعاتها التي طرحتها وفي أماكن التصوير فكان فيلم سائق الكارو عام 1963 هو أول هذه الأفلام التي قام سمبين بتصويرها خالصاً في إفريقيا . بالطبع تأخر وصول السينما بشكل حر إلي افريقيا إلي هذا العام الذي أنتج فيه سمبين فيلمه , فعلي اي حال تصل متأخرا أفضل الا تصل اصلا , ومن المعاناة في تقديم سينما إفريقية خالصة علي يد أبناءها ظهرت معاناة جديدة وعراقيل صد واجهها هؤلاء المبدعين والتي أعادتهم تدريجياً تحت جناح المستعمر الاوربي وهي صعوبة التمويل لإنتاج هذه الافلام ففي بداية صناعة هذه السينما بدأت تتغير الموضوعات وبدأت الادوار تتبدل حيث يقوم ممثلون أفارقة بالمشاركة في العمل السينمائي في مقام البطل لكن إستمرت الموضوعات علي حد الدفاع عن المستعمر وإظهاره بواجهة أنيقة بعيدة عن النزاعات التي كان يعاني منها في هذا المجتمع المتخلف علي حد تعبيرهم أيام الإستعمار ويرجع هذا إلي ان صناعة السينما في إفريقيا لم تلقي أي دعم إنتاجي من قبل الجهات الحكومية أو المؤسسات الخاصة والذي جعل الكثير من المخرجين يتوجهون إلي المستعمر القديم لطلب تمويل مشروط يجعلهم يخضعون مواضيع أفلامهم لصالح بناء صورة مشرفة لهذا المستعمر تخدم أغراضة السياسية والدعائية في افريقيا والعالم كله . ذلك الحاجز الذي ابرزة بقوة صناع السينما الأفارقة في الندوة التي أقامتها إدارة المهرجان لهذا العام وهو السبب الذي جعلهم يبحثون عن حلول بديلة تجعلهم يتخلصون من هذا الحاجز وبالفعل وجدوه متمثلاً في السنما البديلة أو سينما الديجيتال فهي الأرخص دوماً في تكاليف إنتاجها وسهولة إستخدامها إذا ما قورنت بالسنما العادية , فصناعة الديجيتال أعطت مجالاً واسعاً لإنتشار الأفكار الحرة دون أن يقيدها شروط المانحين لقروض الإنتاج في دول الغرب لذلك نري تميزاً كبيراً في الإنتاج في دول الغرب لذلك نري تميزاً كبيراً في الإنتاج السينمائي الإفريقي في هذه الدورة , إنتاجاً كبيراً ومتنوعاً وحراً بعيداً عن السيطرة الرأسمالية للدول المانحة , أعمالاً ذات موضوعات حرة خالصة تعطينا صورة جديدة عن الانسان الافريقي بعيداً عن التنميط الغربي المستهلك له , كما لفتت الأنظار لوجود سينما جديدة لهوية مطموسة لقارة بعيدة عن أنظار الجميع , فتسليط الضوء عليها هذا العام من خلال المهرجان أعطانا المزيد من الدعم الإعلامي الذي إنتهي إلي حد إصدار رئيس المهرجان د . عزت أبو عوف قراره بتوصيات بتوزيع سينما القارة الافريقية من خلال الدورات القادمة من المهرجان , علي اساس اننا قارة واحدة تكبرها مصر في صناعة السينما وهي الوحيدة القادرة علي إخراج السينما الإفريقية من عزلتها , والعمل علي النهوض بها إعلامياً وبذل كافة المحاولات لإنتشارها دولياً في باقي مهرجانات العالم .
أهم ما برز أيضاً في دورة هذا العام هو الإحتفال بالسينما الإسبانية كضيف شرف المهرجان والتي عرضت ضمن هذا الاحتفال ما يزيد عن الثلاثة وعشرون فيلماً من أبرز ماقدمتة السينما الإسبانية , كان أهمها فيلم الإفتتاح والذي حصد جائزة المهرجان الكبري الهرم الذهبي وهو فيلم العودة إلي حنصلة من إخراج المخرجة الإسبانية شوس جويتيريز ومن انتاج عام 2008 , هذا العمل الذي يسرد لنا القضية المتداولة والتي لم ولن تنتهي علي الحدود المغربية الإسبانية وهي الهجرة الغير شرعية إلي اسبانيا عن طريق عبور البحر ويصور لنا بشكا إنساني رحلة عودة جثمان أحد الشباب المغاربة إلي وطنه بعد فشل محاولته العبور للجانب الأخر سعياً وراء حلم مزيف يعود منه جثه داخل صندوق خشبي برفقة أخته التي تسكن الاراضي الاسبانية والتي تعمل في إحدي المصانع كعامله بسيطة . العودة الي حنصلة واحد من مئات الأعمال التي تقدم القصة التي لا تنتهي ليل نهار بين القارتين , إنهيار الحلم وضياع العمر الذي ينتهي عند إصتدام الجسد بالجانب الأخر من الشاطيء لم يعرض قصة الهروب وراء الحلم الاوربي لكنه عرض لنا القصة المعاكسة وهي قصة العودة إلي الوطن في لباس الكفن , إلا أن الحلم يستمر داخل قلوب الكثيرين اللذين ما يزالوا يسعون للحصول علي هذه الفرصة المميتة حتي وان كان ثمنها حياتهم . علي العكس جاء ايضا فيلم 14 كيلو متر الذي يتعرض أيضاً لقضية الهجرة الغير شرعية إلي اسبانيا ولكن هذه المرة جاءوا مهاجرون مختبئون وسط الرمال من أقاصي الصحراء الإفريقية الي الشاطيء المميت الذي يجمع ما بين القارتين , 14 كيلو متر فيلم درامي كوميدي به لمحة رومانسية خفيفة وهادئة يحكي قصة شابين هربوا من افريقيا وبالتحديد من نيجيريا سعيا الي الحياة البيضاء النظيفة المبهرة في اوربا فقطعوا مئات الأميال داخل أحدي السيارات التي كادت أن تنفجر من حملها ومن بعدها واصلوا السير علي الأقدام وسط محيط هائل من الرمال ليس له أول ولا أخر , إلي ان وصلوا بحالة مزرية للأراضي الجزائرية ليستمروا في الركض تحت مظلة الرعب الذي يجتاحهم خوفا من السلطات الحكومية الي الحدود المغربية الاسبانية ومن ثم اللجوء الي احدي القوارب التي تتخفي ليلاً وعلي متنها شباب هاربين للجنة الاخري . 14 كيلو متر من اكثر الاعمال التي عرضت مأسي الهجرة الغير شرعية الي اسبانيا بتميز وانفراد كبير جداً يحمل مشاعر متعددة وصور متباينة من الألم والوحدة والخوف والحب والاصرار علي تحقيق الحلم حتي وان كان ثمنها هو الوصول الي هذه الارض الموعودة ركضاً , ففكرة الهجرة الغير شرعية باتت مستهلكة جداً ولكن تناول كل فيلم لها ان لم يبرز شيئاً جديداً ومميزاً يتفرد به عن غيره بات منسوخ من قصة تحاكي ليل نهار قتلته السينما الإسبانية في افلامها , فالقضية تعتمد الي حد كبير علي طبيعة النظرة الخاصة التي يري من خلالها المخرج زاوية الهجرة والمهاجرين والدافع الذي مازال حياً في البلاد التي يهرب منها هؤلاء الشباب إلي إسبانيا ففي فييلم حنصلة رصدت مخرجة الفيلم جانبان في غاية الاهمية وهما إصرار الشباب علي مواصلة طريق الموت هذا طمعا في حلم الثراء المزيف في الغرب حتي وان عادوا اشلاء كما عرضتها لنا من خلال مشهد من أكثر مشاهد الفيلم قسوة علي النفس عندما قام ناقل الموتي الاسباني الذي أحضر جثة الاخ الاصغر لليلي المواطنة المغربية المقيمة في اسبانيا , قام وسط السوق العام للقرية بعرض ملابس الشباب اللذين غرقوا علي نفس المركب التي لاقي اخو ليلي حتفه عليها عند الشاطيء الاسباني , ليقوم الاهالي بالتعرف علي ملابس ابناءهم المدفونين في ثلاجات احدي المستشفيات في اسبانيا , أما الشيء الثاني التي أصرت المخرجة أن تبرزة هو إصرار الأهل علي إعادة أجساد أبناءهم ليتم دفنهم بطريقة شرعية في موطنهم الاصلي , رحلة عودة قاسية جداً ربما تفوق قسوة رحلة الهروب . السينما الإسانية لطالما تميزت بإنتاجها الغني والمتميز عن غيره من إنتاج السينما الأوربية والأمريكية بالانتماء إلي تجسيد هموم ومشاكل الواقع المحلي بصورة واضحة دون تجميل بل أنها إستلهمت من واقعها موضوعات حية أعادت صياغتها من جديد بشكل فني يحاكي الواقع وينقله أحياناً كما هو , فالاوضاع السياسية المتوترة دائماً في إسبانيا وخصوصاً عندما بدأت صناعة السينما في الظهور شكلت حاجزاً ما بين هذا الفن الوليد وبين ما يمر به الشعب من عثرات ومتغيرات في حياتة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وما بين حروب خارجية خسرتها القوة العسكرية في امريكا اللاتينية وبين حروب اخري اهلية نشبت في البلاد , كل هذه العوامل ساعدت علي إخماد فكرة صناعة سينما حرة في ظل تذبذب هذه الاحداث المتردية إلا أن جاءت فترة حديثة بدأت فيها عدة محاولات من جانب بعض المخرجين اللذين درسوا فن السينما خارج إسبانيا منهم رائد السينما الصامتة في اسبانيا فروكتوسخيلبيرت ومن ثم تبعه سيجموند دي تشومون الذي أنشأ أول إستديو لتصوير الأفلام ببرشلونة ونقل اليه كل التقنيات التي وجدها في باريس ذلك الوقت وبدأ بهذا الاستوديو إنتاجاً كبير يفوق الخمسين فيلماً منذ عام 1950 , لكن برشلونة مثلها مثل باقي المدن الاوربية الكثيرة التي طغي حكم الكنيسة المتشددة عليها والتي سرعان ما بدأت تخمد هذه الصناعة بحجة أنه فناً مشيناً يصعب علي المجتمع تقبله , فضربت صناعة السينما في مقتل وبدات تتراجع إنتاج الأفلام المحلية خوفاً من حصار رأس المال من قبل رجال الدين وبدأت بذلك الأعمال المستوردة من أمريكا تطفو علي السطح من جديد حتي إتخذت مكاناً متفرداً أقوي لها من ذي قبل وأصبحت هي القوة المسيطرة علي سوق الأفلام الأوربية , وظل هذا الفكر يعتقل حرية الإبداع حتي جاءت الموجة الحديثة من الشباب الذي تحرر من هذا الجمود الفكري فبدأ المخرج لويس بونويل بتعديل الرؤية من جديد علي صناعة السينما وإزاحة التهمة عنها من أنها فناً مشيناً يوشي بالناس وأفكارهم لإرتكاب الفواحش الي انها أداة وسلاح ساحر بالصوت والصورة يسيطر علي قلب المتلقي وعقله . فلم يكن بونويل وحده من الشباب المحدثين اللذين اسهموا في بناء قاعدة لتاريخ صناعة السينما في اسبانيا بل تنوعت المساعدات في مجالات اخري فكان للفنان التشكيلي سلبادور دالي رؤية متميزة لتجسيد صورة سينمائية تحمل دلالات معينة تفصلها عن مجرد نقل مطابق للواقع إلي لوحة جميلة تحمل أبعاداً فنية مميزة ورويه دلالية ذاتية , وقد تبعهم بعد ذلك جيل جديد أثري صناة السينما الإسبانية بأول أفلامها الروائية الطويلة منهم المخرج فرانشسيكو الياس صانع أول فيلم روائي طويل عام 1929 بعنوان لغز باب الشمس , وكان له السبق حيث أنه أول فيلم ناطق , لكن هوليود لم تترك المجال لنمو تجارة مربحة مثل هذه في موطن اخر غير موطنها الهوليودي , فبدأت تحارب صناعة اسبانيا بإنتاج أفلاماً ذات انتاج ضخم في ميزانيتها مقارنة بالسينما الاسبانية الوليدة وقد حلت أزمة اللغة بإستخدام تقنية الدوبلاج إلي اللغة الاسبانية ومع صدور قرار بإنشاء ما يعرف بقانون الرقابة إذداد الخناق علي الابداع السينمائي الحر وتقيدت افكار المخرجين داخل اطار هذا النص القانوني حيث وضع مثلث الرعب هذا في أعلي مكان يمنع ويحذر الإقتراب من أي أفكار تتعرض اليه وهو مثلث الدين والجنس والسياسة , وبذلك بدأت صناعة السينما في اسبانيا مرة اخري بالتراجع والذي استمر منها اخذ افكاراً نمطية مكررة تخدم مصالح الامبراطورية الملكية وتحمل نبرة سخرية كوميدية تتعرض للهم الاجتماعي التي كانت تعيشه البلاد تلك الفترة , ومع ظهور الواقعية الجديدة بدأ تيار جديد يأخذ مضمون هذه الافلام الي ايجاد نوع من التحديث الهادف هذا الذي جعل صناعة السينما هناك تنتعش من جديد وبتعدد مواضيعها وطرق معالجتها وتناولها للواقع المحيد بها وما تبعها بعد ذلك من تأسيس لواحد من أشهر المهرجانات السينمائية العالمية وهو مهرجان سان سباستيان السينمائي الدولي الذي يقام سنوياً في مدينة سان سباستيان الاسبانية , أحدث نوعاً من التواصل بين الإنتاج السينمائي المحلي في إسبانيا وبين الإنتاج العالمي في هوليود وباقي دول العالم , واستمر تأسيس الكثير من هذه المهرجانات التي تهتم بدعم وتوزيع السينما الاسبانية ذات الطابع المحلي حتي اصبح هناك في كل مدينة اسبانية مهرجاناً سينمائياً خاصاً لها بل وان وحدة اللغة بين اسبانيا ودول امريكا اللاتينية كانت عاملاً مساعداً بالغ الاهمية ساعد علي تشكيل نوعاً من الاتحاد بينها وبين السينما الاسبانية يشمل تبادل الافكار والاعمال تجاوزت حود القارة الاوربية , وامتزجت القاراتان برابط اقوي من القوة الاستعمارية وهو رابط الابداع المتبادل
.
من ابرز فعاليات التي قدمت ايضاً في هذه الدورة هو تكريم واحد من ابرز المخرجين المتميزين في صناعة السينما في نصف الكرة الجنوبي بل وفي العالم كله وهو المخرج المكسيكي ارتورو ريبستين الذي ترك ورائه تاريخ عريض من الانتاج السينمائي الذي حمل طابع محلي يحاكي بواقعية صورة مجتمعه ومعاناة الانسان البسيط التي تحكمه قوة الرأسمالية في نصف الكرة الغربي . أعطي أرتوروا ريبستين لصناعة السينما في القارة اللاتينية طابعاً خاصاً حيث أبرز شخصية المواطن البسيط وما يتعرض له في مجتمعه من إضطهاد سياسي وحصار اقتصادي وتأثير هذا علي بناء مجتمع متوازن لم يلبث أن يتخلص من القوة الإستعمارية الإسبانية إلا ووقع تحت وطأة قوة إستعمارية أكبر وهي القوة الرأسمالية , والتي أدت إلي إنتشار الأفكار الشيوعية المعارضة لهذا النظام والتي أصبحت سمة أساسية تتباهي بها الكثير من دول أمريكا اللاتينية , فمن الأعمال التي عرضت في هذا المهرجان هذا العام ضمن احتفالية تكريم هذا الفنان كان فيلم امبراطورية الحظ الذي انتجة عام 1986 ويروي قصة صعود وانهيار فرد من افراد هذا الشعب المكسيكي الذي يسكن في الحضيض مع والدتة التي أكلها الذباب فور موتها من شدة الفقر والقحط , يروي قصة هذا البائس الذي حاول بكافة الوسائل المشروعة والغير مشوعة من خلال استخدام مهارته في واحدة من اشهر واعنف الرياضات التي اشتهرت بها امريكا اللاتينية وهي مصارعة الديوك , صعد بها خطوة بخطوة الي كسب المال ولكن عندما فقد عائلة وهو الديك الذي كان يربحه الكثير وجد نفسه في الحالة السابقة التي كان عليها من التشرد والجوع فلجأ الي معلمه الذي أسقاه لعب الورق لحد جعله يتفوق علي معلمه , محاولا في كل مرة ان يبحث عن حظه السعيد بجوار امراه جميلة كانت تجلب له الحظ الرابح دائماً وبدأت خطواته تدعم نحو عالم الفساد الاخلاقي والاجتماعي الذي إختصرة المخرج طوال الفيلم في حلبة مصارعة الديوك ومن ثم في طاولة لعب الورق الذي بني عليها ثروته تدريجياً عبر سنوات طويلة الي جوار زوجتة صاحبة الحظ السعيد والذي دفنت هذا الحظ معها لحظة موتها علي نفس الطاولة التي بدلت الحظ السعيد من الربح الي الحظ الضائع في الخسارة والانتحار . ولكن الدائرة لم تتوقف عند هذا الحد بل تطوف مرة اخري نفس القصة عن طريق ابنته التي تحتذي طريق امها المطربة المشهورة في حلبات المصارعة كبداية لسلسلة جديدة لا تنتهي حلقاتها . إغراق يبستين في محليته جعلته يعبر بشكل سلس لثقافات أخري مختلفة عما قدمه للسينما المكسيكية , قدم ريبستين عام 1993 إحدي روايات نجيب محفوظ في فيلم سينمائي وهي رواية بداية ونهاية التي قام ريبستين مع زوجتة السيناريست إليشيا جارثيا بكتابة السيناريو الخاص بالرواية وتطويع الاحداث تبعاً لاجواء المكسيك وطبيعة هذا الشعب وقد تبعها ريبستين بعد عام بإنتاج رواية اخري لمحفوظ وهي رواية زقاق المدق التي قامت بدور حميدة فيها النجمة سلمي حايك عام 1994 . عرض بداية ونهاية ايضا ضمن فعاليات المهرجان ولاقي اقبال وثناء كبير عند عرضه هنا ليس فقط حباً في النص الأصلي لمحفوظ بل لما قدمه ريبستين بصورتة السينمائية المتميزة والتي نقلتنا الي اجواء المكسيك الاجتماعية من خلال الخط الدرامي الذي لعب عليه المخرج والذي تباين مع اسلوب تناول الراحل صلاح ابو سيف عند تقديمة للرواية في نسختها العربية , فصلاح ابو سيف اتبع الرواية بما تحمله من تيمه عربية كتبت لتعبر عن شرقية المجتمع المصري في غيرته في الدفاع عن هويته وشرفه , فكرة الشرف الذي أقرها نجيب محفوظ من خلال صور عديدة تجاوزت حدود المتعارف عليه , فنواقص الشرف كانت جزءا لا يتجزء من معظم شخصيات العمل بل وامتدت الي المجتمع الخارجي بأكمله , أما ريبستين فقد أخذ خطاً درامياً مختلفاً عن هذه الفكرة ربما للتباين بين المجتمعين لم تحظي فكرة الشرف وحدها بالتأثير المطلوب عند المشاهد المكسيكي فإتبع المخرج تيمة الترابط العائلي والتضحية الجماعية من جانب كل فرد من الاسرة في سبيل الاخر , خط متفرد تميزت به هذه النسخة الاسبانية للفيلم جعلتنا نقرأ الرواية من جديد وبوجهة نظر مختلفة عن ذي قبل لكن مع التغيرات الطفيفة التي وضعها المخرج علي النص الاصلي ضاع من فيلمه عامل ربما كان سيجعل للفيلم ملامح تميزه وهو إضاعته لعامل المكان , فلم يبرز المخرج اي تفاصيل لمعالم المكسيك ولا لاي رمز يبرز هوية مكان وقوع الاحداث فقد أذاب المخرج صورة المكان من خلال إستخدامة للديكورات المغلقة المجردة من اي انتماء لاي مكان سوي لاحداث الفيلم وصراعاته . عمل ارتوروا ريبستين منذ أكثر من اربعين عاماً علي تحويل الروايات الادبية الي اعمالا سينمائية وامتد هذا العطاء الي الادب العربي ومازال ريبستين علي حد قوله مهتماً أن يعرف أكثر عن الادب العربي ولكن اعاقة عملية ترجمة النصوص الي الاسبانية من اهم العوامل التي تقف في وجهه فاللغة هي المشكلة الاكبر التي يجب ان نبحث لها عن حل
سينما اللؤلؤة السوداء بدت أكثر تألقاً
الهجرة الغير شرعية الهاجس الحدودي بين اسبانيا والمغرب يخلق نتاجاً هائلا من الابداع
مرت فعاليات الدورة الثانية والثلاثين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي تحمل معها أيام وليلالي حاشدة بالعديد من الافلام التي أسعدتنا وحيرتنا معها في التجول بين دور العرض المختلفة لمتابعتها لكنها كانت حيره تستحق الاهتمام فإختيارات المهرجان هذا العام كانت ثرية جداً ومتنوعة وربما منها المبتكر مثل إبراز سينما مغمورة ومنسية مثل السينما الإفريقية التي كانت لها نصيب كبير جداً من الاهتمام في هذه الدورة سواء من خلال الندوات او من خلال تدفق المشاهدين علي اعمالها والعدد الكبير جداً من الأعمال التي قدمت تعريف مختلف عن هوية السينما الافريقية التي تعودنا ان نراها في الاعمال ذات الانتاج الاوربي والتي لطالما جسدت لنا واقع لجانب واحد فقط من حياة هذا الشعب وهو الجانب الاسوء الذي تعكسه مافيا هوليود بصورة مبتذلة بعض الشيء , فجعلت صورة هذا العالم مطبوعة في أذهاننا علي أنهم شعب لا يسكنه سوي الفقر والمرض وحوادث القتل والخطف والنزاعات الداخلية وغيرها من المواضيع التي وضعت لنا سينما الجنوب الافريقي في قالب محدد وما ساعدهم علي ذلك هي بالتأكيد العزلة التي حاصرت صناعة السينما في افريقيا والتي تمنع المبدعين وصناع السينما الافارقة في التعبير بأنفسهم عن وجهة نظرهم الحية في القضايا والاحداث الاخري التي تحل بمجتمعهم وتغير الصورة النمطية التي رسختها السينما في هوليود وفي اوربا عن صورة الانسان الافريقي علي انه مجرد عبد فقير تحكمه قوة الجهل والسلطة الغربية . صناعة السينما في افريقيا لم تبدأ كما بدأت في باقي العالم علي يد ابناء شعبها , ولكنها بدأت علي يد قوي غربية قوة الاستعمار التي كانت تحتل البلاد تلك الفترة والتي بدأت بإستغلال هذا الفن والذي أعتبروه سلاح جديد يفوق قوة البارود تأثيراً علي الناس إستغلته قوة الاستعمار في نشر أفكارها الاستعمارية بصورة خفيه ورسم صورة للمواطن الإفريقي أبعد ما تكون عن الواقع تجعله يبدو كعبد مسلوب العقل والتاريخ واستمرت هذه الموجة طيلة الاحتلال الفرنسي لإفريقيا والتي نتج عنها ما يزيد عن مئتي وعشرين فيلماً كما لقبوا هذا الانتاج بالافلام الدعائية التي تحمل في محتواها معاناة المستعمر الفرنسي في هذه البلاد , دون أن تلقي أدني نظرة موضوعية علي الجاني الاخر من المعاناة وهو الشعب المُستعمر صاحب هذه الارض , وحتي المشاهد التي إحتوت علي القليل من هؤلاء الأفارقة أو السكان الاصليين كما يسميهم البعض لم تكن فقط مشاهد مهمشة أو علي قدر كبير من التجاهل المقصود ولكن كانت بعض المشاهد تعطي ايحاءات وتعبيرات سلبية وعنصرية لهؤلاء السكان علي انهم جنس ثالث لا يصلح إلا أن يكون عبيد وخدم للجنس الابيض الارقي . وإستمر هذا الأحتلال الفكري والنفسي لسنوات طويلة إلي ان جاء بولين سومانوفييرا بأول أفلامه الروائية الذي يعتبر أول فيلماً إفريقياً خالصاً يصوره مخرج افريقي وهو بعنوان إفريقيا علي نهر السين لكنه صور بأكمله في عاصمة النور باريس عام 1955 مما جعله يفقد كثيراً من تأثيره الذي ربما كان سيتضاعف لو صور في افريقيا والفيلم يحاكي قصة المهاجر الإفريقي في فرنسا في فترة الخمسينات من القرن الماضي وأثناء الاحتلال الفرنسي لإفريقيا ومن ثم يأتي عثمان سمبين المخرج السنغالي الذي يلقبوه في افريقيا بأبو السينما الافريقية الحقيقية وهي السينما التي إتخذت من كل البلاد الافريقية أرضاً لها وفي موضوعاتها التي طرحتها وفي أماكن التصوير فكان فيلم سائق الكارو عام 1963 هو أول هذه الأفلام التي قام سمبين بتصويرها خالصاً في إفريقيا . بالطبع تأخر وصول السينما بشكل حر إلي افريقيا إلي هذا العام الذي أنتج فيه سمبين فيلمه , فعلي اي حال تصل متأخرا أفضل الا تصل اصلا , ومن المعاناة في تقديم سينما إفريقية خالصة علي يد أبناءها ظهرت معاناة جديدة وعراقيل صد واجهها هؤلاء المبدعين والتي أعادتهم تدريجياً تحت جناح المستعمر الاوربي وهي صعوبة التمويل لإنتاج هذه الافلام ففي بداية صناعة هذه السينما بدأت تتغير الموضوعات وبدأت الادوار تتبدل حيث يقوم ممثلون أفارقة بالمشاركة في العمل السينمائي في مقام البطل لكن إستمرت الموضوعات علي حد الدفاع عن المستعمر وإظهاره بواجهة أنيقة بعيدة عن النزاعات التي كان يعاني منها في هذا المجتمع المتخلف علي حد تعبيرهم أيام الإستعمار ويرجع هذا إلي ان صناعة السينما في إفريقيا لم تلقي أي دعم إنتاجي من قبل الجهات الحكومية أو المؤسسات الخاصة والذي جعل الكثير من المخرجين يتوجهون إلي المستعمر القديم لطلب تمويل مشروط يجعلهم يخضعون مواضيع أفلامهم لصالح بناء صورة مشرفة لهذا المستعمر تخدم أغراضة السياسية والدعائية في افريقيا والعالم كله . ذلك الحاجز الذي ابرزة بقوة صناع السينما الأفارقة في الندوة التي أقامتها إدارة المهرجان لهذا العام وهو السبب الذي جعلهم يبحثون عن حلول بديلة تجعلهم يتخلصون من هذا الحاجز وبالفعل وجدوه متمثلاً في السنما البديلة أو سينما الديجيتال فهي الأرخص دوماً في تكاليف إنتاجها وسهولة إستخدامها إذا ما قورنت بالسنما العادية , فصناعة الديجيتال أعطت مجالاً واسعاً لإنتشار الأفكار الحرة دون أن يقيدها شروط المانحين لقروض الإنتاج في دول الغرب لذلك نري تميزاً كبيراً في الإنتاج في دول الغرب لذلك نري تميزاً كبيراً في الإنتاج السينمائي الإفريقي في هذه الدورة , إنتاجاً كبيراً ومتنوعاً وحراً بعيداً عن السيطرة الرأسمالية للدول المانحة , أعمالاً ذات موضوعات حرة خالصة تعطينا صورة جديدة عن الانسان الافريقي بعيداً عن التنميط الغربي المستهلك له , كما لفتت الأنظار لوجود سينما جديدة لهوية مطموسة لقارة بعيدة عن أنظار الجميع , فتسليط الضوء عليها هذا العام من خلال المهرجان أعطانا المزيد من الدعم الإعلامي الذي إنتهي إلي حد إصدار رئيس المهرجان د . عزت أبو عوف قراره بتوصيات بتوزيع سينما القارة الافريقية من خلال الدورات القادمة من المهرجان , علي اساس اننا قارة واحدة تكبرها مصر في صناعة السينما وهي الوحيدة القادرة علي إخراج السينما الإفريقية من عزلتها , والعمل علي النهوض بها إعلامياً وبذل كافة المحاولات لإنتشارها دولياً في باقي مهرجانات العالم .
أهم ما برز أيضاً في دورة هذا العام هو الإحتفال بالسينما الإسبانية كضيف شرف المهرجان والتي عرضت ضمن هذا الاحتفال ما يزيد عن الثلاثة وعشرون فيلماً من أبرز ماقدمتة السينما الإسبانية , كان أهمها فيلم الإفتتاح والذي حصد جائزة المهرجان الكبري الهرم الذهبي وهو فيلم العودة إلي حنصلة من إخراج المخرجة الإسبانية شوس جويتيريز ومن انتاج عام 2008 , هذا العمل الذي يسرد لنا القضية المتداولة والتي لم ولن تنتهي علي الحدود المغربية الإسبانية وهي الهجرة الغير شرعية إلي اسبانيا عن طريق عبور البحر ويصور لنا بشكا إنساني رحلة عودة جثمان أحد الشباب المغاربة إلي وطنه بعد فشل محاولته العبور للجانب الأخر سعياً وراء حلم مزيف يعود منه جثه داخل صندوق خشبي برفقة أخته التي تسكن الاراضي الاسبانية والتي تعمل في إحدي المصانع كعامله بسيطة . العودة الي حنصلة واحد من مئات الأعمال التي تقدم القصة التي لا تنتهي ليل نهار بين القارتين , إنهيار الحلم وضياع العمر الذي ينتهي عند إصتدام الجسد بالجانب الأخر من الشاطيء لم يعرض قصة الهروب وراء الحلم الاوربي لكنه عرض لنا القصة المعاكسة وهي قصة العودة إلي الوطن في لباس الكفن , إلا أن الحلم يستمر داخل قلوب الكثيرين اللذين ما يزالوا يسعون للحصول علي هذه الفرصة المميتة حتي وان كان ثمنها حياتهم . علي العكس جاء ايضا فيلم 14 كيلو متر الذي يتعرض أيضاً لقضية الهجرة الغير شرعية إلي اسبانيا ولكن هذه المرة جاءوا مهاجرون مختبئون وسط الرمال من أقاصي الصحراء الإفريقية الي الشاطيء المميت الذي يجمع ما بين القارتين , 14 كيلو متر فيلم درامي كوميدي به لمحة رومانسية خفيفة وهادئة يحكي قصة شابين هربوا من افريقيا وبالتحديد من نيجيريا سعيا الي الحياة البيضاء النظيفة المبهرة في اوربا فقطعوا مئات الأميال داخل أحدي السيارات التي كادت أن تنفجر من حملها ومن بعدها واصلوا السير علي الأقدام وسط محيط هائل من الرمال ليس له أول ولا أخر , إلي ان وصلوا بحالة مزرية للأراضي الجزائرية ليستمروا في الركض تحت مظلة الرعب الذي يجتاحهم خوفا من السلطات الحكومية الي الحدود المغربية الاسبانية ومن ثم اللجوء الي احدي القوارب التي تتخفي ليلاً وعلي متنها شباب هاربين للجنة الاخري . 14 كيلو متر من اكثر الاعمال التي عرضت مأسي الهجرة الغير شرعية الي اسبانيا بتميز وانفراد كبير جداً يحمل مشاعر متعددة وصور متباينة من الألم والوحدة والخوف والحب والاصرار علي تحقيق الحلم حتي وان كان ثمنها هو الوصول الي هذه الارض الموعودة ركضاً , ففكرة الهجرة الغير شرعية باتت مستهلكة جداً ولكن تناول كل فيلم لها ان لم يبرز شيئاً جديداً ومميزاً يتفرد به عن غيره بات منسوخ من قصة تحاكي ليل نهار قتلته السينما الإسبانية في افلامها , فالقضية تعتمد الي حد كبير علي طبيعة النظرة الخاصة التي يري من خلالها المخرج زاوية الهجرة والمهاجرين والدافع الذي مازال حياً في البلاد التي يهرب منها هؤلاء الشباب إلي إسبانيا ففي فييلم حنصلة رصدت مخرجة الفيلم جانبان في غاية الاهمية وهما إصرار الشباب علي مواصلة طريق الموت هذا طمعا في حلم الثراء المزيف في الغرب حتي وان عادوا اشلاء كما عرضتها لنا من خلال مشهد من أكثر مشاهد الفيلم قسوة علي النفس عندما قام ناقل الموتي الاسباني الذي أحضر جثة الاخ الاصغر لليلي المواطنة المغربية المقيمة في اسبانيا , قام وسط السوق العام للقرية بعرض ملابس الشباب اللذين غرقوا علي نفس المركب التي لاقي اخو ليلي حتفه عليها عند الشاطيء الاسباني , ليقوم الاهالي بالتعرف علي ملابس ابناءهم المدفونين في ثلاجات احدي المستشفيات في اسبانيا , أما الشيء الثاني التي أصرت المخرجة أن تبرزة هو إصرار الأهل علي إعادة أجساد أبناءهم ليتم دفنهم بطريقة شرعية في موطنهم الاصلي , رحلة عودة قاسية جداً ربما تفوق قسوة رحلة الهروب . السينما الإسانية لطالما تميزت بإنتاجها الغني والمتميز عن غيره من إنتاج السينما الأوربية والأمريكية بالانتماء إلي تجسيد هموم ومشاكل الواقع المحلي بصورة واضحة دون تجميل بل أنها إستلهمت من واقعها موضوعات حية أعادت صياغتها من جديد بشكل فني يحاكي الواقع وينقله أحياناً كما هو , فالاوضاع السياسية المتوترة دائماً في إسبانيا وخصوصاً عندما بدأت صناعة السينما في الظهور شكلت حاجزاً ما بين هذا الفن الوليد وبين ما يمر به الشعب من عثرات ومتغيرات في حياتة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وما بين حروب خارجية خسرتها القوة العسكرية في امريكا اللاتينية وبين حروب اخري اهلية نشبت في البلاد , كل هذه العوامل ساعدت علي إخماد فكرة صناعة سينما حرة في ظل تذبذب هذه الاحداث المتردية إلا أن جاءت فترة حديثة بدأت فيها عدة محاولات من جانب بعض المخرجين اللذين درسوا فن السينما خارج إسبانيا منهم رائد السينما الصامتة في اسبانيا فروكتوسخيلبيرت ومن ثم تبعه سيجموند دي تشومون الذي أنشأ أول إستديو لتصوير الأفلام ببرشلونة ونقل اليه كل التقنيات التي وجدها في باريس ذلك الوقت وبدأ بهذا الاستوديو إنتاجاً كبير يفوق الخمسين فيلماً منذ عام 1950 , لكن برشلونة مثلها مثل باقي المدن الاوربية الكثيرة التي طغي حكم الكنيسة المتشددة عليها والتي سرعان ما بدأت تخمد هذه الصناعة بحجة أنه فناً مشيناً يصعب علي المجتمع تقبله , فضربت صناعة السينما في مقتل وبدات تتراجع إنتاج الأفلام المحلية خوفاً من حصار رأس المال من قبل رجال الدين وبدأت بذلك الأعمال المستوردة من أمريكا تطفو علي السطح من جديد حتي إتخذت مكاناً متفرداً أقوي لها من ذي قبل وأصبحت هي القوة المسيطرة علي سوق الأفلام الأوربية , وظل هذا الفكر يعتقل حرية الإبداع حتي جاءت الموجة الحديثة من الشباب الذي تحرر من هذا الجمود الفكري فبدأ المخرج لويس بونويل بتعديل الرؤية من جديد علي صناعة السينما وإزاحة التهمة عنها من أنها فناً مشيناً يوشي بالناس وأفكارهم لإرتكاب الفواحش الي انها أداة وسلاح ساحر بالصوت والصورة يسيطر علي قلب المتلقي وعقله . فلم يكن بونويل وحده من الشباب المحدثين اللذين اسهموا في بناء قاعدة لتاريخ صناعة السينما في اسبانيا بل تنوعت المساعدات في مجالات اخري فكان للفنان التشكيلي سلبادور دالي رؤية متميزة لتجسيد صورة سينمائية تحمل دلالات معينة تفصلها عن مجرد نقل مطابق للواقع إلي لوحة جميلة تحمل أبعاداً فنية مميزة ورويه دلالية ذاتية , وقد تبعهم بعد ذلك جيل جديد أثري صناة السينما الإسبانية بأول أفلامها الروائية الطويلة منهم المخرج فرانشسيكو الياس صانع أول فيلم روائي طويل عام 1929 بعنوان لغز باب الشمس , وكان له السبق حيث أنه أول فيلم ناطق , لكن هوليود لم تترك المجال لنمو تجارة مربحة مثل هذه في موطن اخر غير موطنها الهوليودي , فبدأت تحارب صناعة اسبانيا بإنتاج أفلاماً ذات انتاج ضخم في ميزانيتها مقارنة بالسينما الاسبانية الوليدة وقد حلت أزمة اللغة بإستخدام تقنية الدوبلاج إلي اللغة الاسبانية ومع صدور قرار بإنشاء ما يعرف بقانون الرقابة إذداد الخناق علي الابداع السينمائي الحر وتقيدت افكار المخرجين داخل اطار هذا النص القانوني حيث وضع مثلث الرعب هذا في أعلي مكان يمنع ويحذر الإقتراب من أي أفكار تتعرض اليه وهو مثلث الدين والجنس والسياسة , وبذلك بدأت صناعة السينما في اسبانيا مرة اخري بالتراجع والذي استمر منها اخذ افكاراً نمطية مكررة تخدم مصالح الامبراطورية الملكية وتحمل نبرة سخرية كوميدية تتعرض للهم الاجتماعي التي كانت تعيشه البلاد تلك الفترة , ومع ظهور الواقعية الجديدة بدأ تيار جديد يأخذ مضمون هذه الافلام الي ايجاد نوع من التحديث الهادف هذا الذي جعل صناعة السينما هناك تنتعش من جديد وبتعدد مواضيعها وطرق معالجتها وتناولها للواقع المحيد بها وما تبعها بعد ذلك من تأسيس لواحد من أشهر المهرجانات السينمائية العالمية وهو مهرجان سان سباستيان السينمائي الدولي الذي يقام سنوياً في مدينة سان سباستيان الاسبانية , أحدث نوعاً من التواصل بين الإنتاج السينمائي المحلي في إسبانيا وبين الإنتاج العالمي في هوليود وباقي دول العالم , واستمر تأسيس الكثير من هذه المهرجانات التي تهتم بدعم وتوزيع السينما الاسبانية ذات الطابع المحلي حتي اصبح هناك في كل مدينة اسبانية مهرجاناً سينمائياً خاصاً لها بل وان وحدة اللغة بين اسبانيا ودول امريكا اللاتينية كانت عاملاً مساعداً بالغ الاهمية ساعد علي تشكيل نوعاً من الاتحاد بينها وبين السينما الاسبانية يشمل تبادل الافكار والاعمال تجاوزت حود القارة الاوربية , وامتزجت القاراتان برابط اقوي من القوة الاستعمارية وهو رابط الابداع المتبادل.