Sunday, June 14, 2009

إبراهيم الأبيض


يطل علينا المخرج الشاب مروان حامد في ثاني تجاربه السينمائية بعد فيلمه الاول عمارة يعقوبيان بحالة فنية إتسمت بالعنف الخالص الصريح والمبالغ فيه والتي لم تشهدها السينما المصرية بهذه الطريقة من قبل , إبراهيم الأبيض حالة فردية لا تعكس واقع لصفات الشاب المصري العادي , حتي وان كانت الفكرة إقتبستها أسرة الفيلم عن حادثة حقيقية وهي شخصية ابراهيم الابيض احد القتلة الذي وقع منذ فترة في يد الشرطة والذي يسكن احد الاحساء المصرية البسيطة , ولكن شخصية ابراهيم الحقيقية ومواقف الاحداث لا تتطابق مع السيناريو الدموي الذي حمله الفيلم , فالمؤلف لم يأخذ من شخصية ابراهيم الحقيقية سوي لقبه ابراهيم الابيض وفعله كمجرم وقاتل , اما الفيلم بشكل عام لا يمثل انعكاس لوضع فئه مهمشة من طبقات المجتمع المصري ولم يتطرق الي سرد منطقي للظروف البيئية التي يعيش فيها ويشب افراد كثيرين منها علي الجريمة والعنف وكأنها الماء والهواء بالنسبة لهم . إبراهيم في هذا العمل طفل في الثامنة من عمرة شهد مقتل والدة علي يد أحد البلطجية اللذين يسكنون الأحياء الشعبية الفقيرة في مصر بل ويسيطرون علي أهلها ويحكمون وينفذون أحكامهم بيديهم وكأننا نري كيان كامل لدولة مصغرة داخل الكيان الكلي – دولة داخل دولة – في ظل غياب او تهميش جزئي وتجاهل متعمد ربما من جانب صناع الفيلم للجبهة المضادة لهذه الامبراطورية المسلحة وهم قوات الامن التي تمثل أحد الجبهات المطادة لإبراهيم طوال الفيلم و المطاردة فقط هو الدور الرئيسي التي لعبته صفة الشرطة , محاصرة المجرمين واتباعهم دون السعي وراء منع ارتكاب الجريمة ذاتها والتي تحدث ليل نهار امام أعين الجميع . جعل المخرج لغة العنف اعلي من لغة الحوار فلا يوجد مشهد يمر دون قتل وعراك ومطاردة تنتهي بفوز البطل علي جيش كامل من الرجال , الصورة الدموية التي تجذب الشباب كانت هي المنهج الرئيسي الذي اتبعه مروان مخرج الفيلم وتبعتة حركات احمد السقا الاستعراضية التي تعودنا عليها منذ اول اعماله شورت وفانلة وكاب وتوالي تقديمها في كل عمل جديد حتي اصبحت صفة مكررة في أدائه التمثيلي يتوقعه المشاهد قبل حدوثه , ابراهيم هنا شاب بلطجي وسفاح لا يفارق السلاح الابيض يده ومن هنا جاءت شهرته باسم ابراهيم الابيض , بعد مقتل والده حاولت والدته تحفيزه ان يكون مصدر قوي يخافه الجميع حتي لا يلقي مصير والده فينشأ ابراهيم في بيئة إجرامية خالصة ويحاول أن يثبت تفوقه ويفرض تواجده بين اتباعه بإستعراض قوته البدنية وتزايد بطولاته الدموية وقلبه الميت الذي لا يعرف سوي مشاهد الدم ولهجة السلاح , هذه الشخصية التي لا تقترن بصفاتها سوي بالشيطان الادمي نراها تتحول في لمح البصر دون اي خلفية مسبقه الي انسان مرهف الحس يهوي فتاة من نفس الحي العشوائي الذي يسكنه وهي في الواقع إبنه الرجل الذي قتله ابراهيم وهو صغير والذي كان يعمل عنده في صباه , حورية هي المفتاح السحري ونقطة الضعف الوحيدة لشخصية ابراهيم تبدو هي الاخري شخصية متناقضة التصرفات تميل الي الانتقام من حبيبها ابراهيم عندما تعلم انه قاتل ابيها وفعلا تتواطيء مع اعدائه للتخلص منه والزج به في السجن لكن في تردد دائم بين المسامحة والرغبة في الثأر ولكن يتغلب احساس الثأر في النهاية علي احساس الحب فيتم قتل ابراهيم وسط الشارع وسط الناس ويظل يترنح بين الموت والحياة وينازع بقائه في الدنيا الي ان يهوي ساقطاً قاطع النفس . عبد المالك زرزور تاجر المخدرات الذي تمرد عليه ابراهيم وحاول التلاعب به فأمر رجاله بقتل ابراهيم وحرقه بمساعدة زوجتة حورية , شخصية قام بأدائها الفنان محمود عبد العزيز الذي أثبت من خلال خوضه لهذه التجربه أن الفنان الحقيقي يظل متجدداً دائماً في عطاءه واسلوبه الفني مهما كان الجيل الذي ينتمي له في دور يضيف نقطة تميز الي حصيلة انتاجه السنمائي الكبير , وليس غريباً علي هذا الفنان أن يبتكر ملامح خاصة به للشخصية التي سيؤديها في اي عمل , فالمشاهد تدرب علي أداء ثابت في الأفلام المصرية القديمة لشخصية البلطجي وتاجر المخدرات من خلال افلام صلاح ابو سيف وحسن الامام جسدها كار الممثلين كمحمود المليجي وفريد شوقي وغيرهم لكن الملامح الجديدة والاداء المبتكر الذي إنفرد به الفنان محمود عبد العزيز في تجسيده لهذا الدور بالتحديد يضعه في مصاف النجوم الملقبون بصناع الشخصيات أو النجوم أصحاب المدارس الفنية . شخصية أخري من شخصيات الفيلم تستحق ان نتوقف عند ادائها , عشري صديق إبراهيم المقرب قام بتجسيدها الفنان عمرو واكد وهو مفاجأة الفيلم الثانية , عمرو واكد فنان مازال يحمل الكثير من الطاقات الفنية التي لم يستغلها المخرجون بعد , عمرو واكد فنان واعي جداً بإلمامه بكل مفردات شخصيتة وابسط تفاصيلها من نبرة الصوت الي حركات اليد ونظرة العين , هذا الاهتمام انعكس بشكل ايجابي علي تطوير أدائه الفني في كل شخصية سينمائية يقدمها فرغم أن رصيدة السينمائي محدود لكننا لا نلمس اي تشابه بين الادوار التي قدمها , أما عشري فهي الإنطلاقة الحقيقية لعمرو واكد والتي يؤكد بها علي قدراته في مشاركة احمد السقا بطولة الفيلم , فالاثنان أبطالاُ للفيلم ومستحيل أن نصنف دور عمرو واكد بالدور الثاني المكمل لشخصية البطل . عشري او عمرو واكد هو الاخر بلطجي وقاتل صاحب ابراهيم لكنه أقل شجاعة ويمثل ايضاً مصدر حماية لابراهيم , هذا النموذج المتكرر كثيراً في الافلام المصرية , فنري البطل دائماً شجيع السيما يفتك بأسطول من الرجال بينما تابعه لابد أن ينقصه قوة وشجاعة والا كيف سيتفرد البطل بدور البطولة , عشري يهوي ابراهيم حد الطاعة العمياء والاخلاص المفرط ولكن مثل أي مبدأ يمكن ان يهتز , ينكسر إخلاص عشري أمام ضغوط المال ويوشي بصديقة ويسلمه لأعدائه ليكون في النهاية مصيرهم الموت معاً طعناً بالسلاح الابيض وسط مظاهرة شعبية من فتوات الحي ضد ابراهيم الابيض .


أحمد السقا ذاع صيته بأدائه السينمائي العنيف لأدوار لم تكن صدفة أنها جميعاً تنتمي لروح الاكشن واداء الحركات الخطرة أحيانا كالقفز من اعلي اسوار مصر القديمة او التعذيب حرقاً الخ , من الحركات التي من المعروف عن السقا أدائها بنفسه دون الاستعانه بدوبلير , مدهش أن يحب الفنان عمله حد التهور والتركيز علي أقل تفاصيلة ومتابعته الاولية لكل خطوة في العمل ولكن هل كان يستحق الفيلم كل هذه المخاطرة التي تعرض لها السقا في ابراهيم الابيض , لا يمكن ان ننكر مجهود السقا في هذا الفيلم مجهود بدني أفرط في تقديمة حد المبالغة التي جعلتنا نفلت مسار الاحداث لطول لقطات المعارك التي انتصر فيها البطل بالتأكيد جميعها , وهذا هو المجهود الوحيد الذي إستعرض به قواه , تفوقت طاقته البدنية علي طاقته التمثيلية التي سقطت منه سهوا منذ المشهد الأول فظل راكضاً طوال الأحداث وأعيننا ورائه .
طغي التمثيل البدني عند احمد السقا علي التمثيل الادائي ونسي انه ممثل في المقام الاول وليس بطل في الركض امام تجار المخدرات وافراد الشرطة , لو أضفنا الي ذلك ضعف السيناريو وأخطائه الفنية العديدة التي لا تخفي حتي عن المشاهد العادي بذلك يظل فيلم ابراهيم الابيض صورة فنية وسينمائة ناقصة , لا تحتوي علي سيناريو ولا علي اداء تمثيلي الا من بعض الشخصيات التي حملت عبء نجاح الفيلم علي عاتقها والتي سبق وذكرناها .

خاص بجريدة البيان

0 comments:

Post a Comment