الفرح .. فيلم مصري خالص
بدون اي افتكاسات فنية أو مطاردات دموية أو إذلال لصورة الانسان المطحون بالفقر ودون استباحة لتشويه سكان احضان الجبال التي تلتف حول اطراف مدينة القاهرة يمكن لاي مشاهد ان يستحضر روح الحارة الشعبية المصرية التي إعتادنا ان نراها متجسدة في شخصيات وأماكن روايات نجيب محفوظ وكاميرا صلاح ابو سيف , هذا الترابط الانساني واندفاع حماس الشهامة والتمسك بالتقاليد الشعبية البسيطة وان اعتبرها البعض تخلف وتأخر مصاحب لوضع الجهل والفقر , فأعمال محفوظ كانت تعكس انفاس المجتمع المصري من خلال ثقب ضيق لباب يخبء خلفه روايات لن يستطيع توثيقها سوي الادب العربي والشعبي والتي حققت السينما لهم انتشاراً واسعاً ليس فقط في مصر والوطن العربي ولكن في العالم كله , فمن لا يدرك ملامح الحارة الشعبية المصرية جيداً يمكنه البحث بين تاريخ السينما المصرية ليجد صورة حية تحل له لغز لم يعرفه ولم يشهده من قبل , اعمال الراحل صلاح ابو سيف اتخذت من نهر الصور المحفوظية كل ما لذ وطاب واعادت برمجتها من جديد وما يتناسب مع هوية الفيلم ليبقي لنا تراث زاخر من الافلام التي تميزت بها السينما المصرية وتركت علامة خاصة لدي العالم العربي والغربي عن صورة الانسان المصري البسيط .
الفرح فيلم دخل سباق المنافسة لهذا الموسم الصيفي , يعلن بحماس شديد عن صحوة فنية تأخرت كثيراً لاستكمال ما بدأته السينما المصرية في الاربعينات والخمسينات من افلام الواقعية ولكنه يستكملها بصورة عصرية تواصل علي نفس منهج ما بداه كبار مخرجي الواقعية اللذين اثبتوا ان هذا التيار هو الاقرب لقلب وعقل واحساس المشاهد وعلامة فارقة في نجاح الفيلم .
الفرح سحب البساط من تحت أقدام العديد من الافلام المتنافسة معه هذا العام والتي تكلف انتاج الكثير منها مبالغ كبيرة لكنها لم تحظي بالجودة الفنية المطلوبة والتي تناسب حجم انتاجها الضخم , الفرح رواية شعبية جداً لحدث واقعي نجح فيه المخرج بتصوير الحارة المصرية بإسلوب يعطي لمن لم يشهدها من قبل انطباع التعايش الزماني والمكاني مع الشخصيات والاحداث دون ارهاق لعقل المشاهد في التفكير واستنتاج غاية المخرج التي تبدو غريبة ومبهمة في بداية الفيلم , وان يبدو المعني العام للوهلة الاولي نوع من الفانتازيا الاجتماعية لبيئة ضحلة يحدها الجهل من كل زاوية , الفرح فيلم شعبي وان لم يكن هذا النوع قد ادرج ضمن قائمة تصنيف انواع الافلام السينمائية فهذا العمل ربما يزيد تصنيفاً جديداً لقائمة انواع الافلام السينمائية , وهي الافلام الشعبية التي تعرض الطقوس الشعبية وممارسة مثل هذه الموروثات بشكل طقسي جعله الكثير في مقام التدين فهناك العديد من هذه الافلام التي لم تحظي بالشهرة والانتشار الكاف تكسر حاجز بصيرة الانسان بين الجهل والعام وتصنيف العادات والتقاليد علي انها من صنع الانسان قابلة للتجاهل والتغيير في وجود العقل والعلم , فلماذا لا تحظي مثل هذه الاعمال ومنها الفرح بتصنيف جديد لانواع الافلام السينمائية كأفلام شعبية .
الفرح مشهد من احد الحارات المصرية التي بدات تتأكل بفعل الحداثة , فلهث وراء أنقاضها الكاتب أحمد عبد الله مستخلصاً احد التابلوهات الخاصة بهذه البيئة واستخلص مفردات أثري بها حوار الفيلم تلاعب بها وخلق لغة وسيطة فريدة من نوعها تجمع بين لغة الشارع ولغة الاحساس الراقية , لم نشهد الفاظاً بذيئة نخجل منها او نتنكر لوجودها بيننا رغم ان الاحداث كلها تقع داخل مجمتع يحكمه الجهل الخالص ولكن الكاتب تمكن من الافلات سريعا من هذا النمط السائد علي حوار المهمشين والتحايل علي الالفاظ وتهذيبها بحرص حتي لا تبدو ملفقة ومصطنعة فحافظ علي طبيعة الحوار وفي نفس الوقت حافظ علي حياء شاشة العرض ومصداقيتها وقدم لنا علي طبق من الاحترام لغة شعبية مهذبة
الفرح طقس شعبي اعتاد اقامتة سكان الاحياء الشعبية كحل افتراضي للخروج من ازماتهم المادية , ودون وقوع في الخلط بين مصطلح الفرح المعتاد وهو الاحتفال بالزواج وبين الفرح هنا الذي يحمل ابعاد وطابع اخر بعيدة عن هدف الاحتفال بعروسين , تدور احداث الفرح حول زينهم الذي يلخص احلامه في الحصول علي سيارة نقل ركاب ليعيش ويربي اولاده من عمله عليها ولكنه لن يتمكن من جمع ثمن حلمه الا من خلال إقامة فرح وهمي يجمع من خلال ( النقطة ) التي سيلقيها اصدقائه كتحيه له في فرح اخته الوهمية التي إستأجرها زينهم هي وخطيبها ليكمل صورة الفرح بوجود عريسان مزيفين , ويأتي الخطيبان للمضي في عرس لا ينتمون اليه لكنهم يحلمون انهم امتلكوا الارض والوقت ليقيموا عرسهم الحقيقي بعد سنوات من الخطوبة المعذبة التي تنهش في كل لحظة منها غريزة الجنس جسديهما معاً ليقعا في الخطيئة وهما زوجان لكنها تحسب عليهم كارثة لن تختبيء امام اعين الناس طالما لم يجمعهم بيت واحد بعد .
جميلة العروس المزيفة ضحية الوقت والغريزة تواجة الناس بفعلتها مع خطيبها الذي يحاول انقاذ شرف زوجته وسمعتها قبل استكمال الفرح ولكن الظروف تحول دون ذلك ويمضي الخطيب مستغيثا بالشرع الذي ازاحته العادات والتقاليد الي المرتبة الثانية , فهي في الواقع زوجتة ولا تعتبر فعلتهم خطيئة بقدر ما ينظر لها الناس علي انها مصيبة اجتماعية وعار اخلاقي .
ويعود زينهم لاستكمال الفرح بعد رحيل العروسان من الصوان الخاص بالاحتفال يعود ليجمع المال من جيوب المعازيم , المال هو دين علي الجميع او جمعية كما اسماها المؤلف تعود علي كل منهم مرة بالدفع ومرة بالقبض من فرح الي فرح ومن نقطة الي نقطة فاليوم عند زينهم وغدا علي زينهم وهكذا .
الفنانة كريمة مختار وهي والدة زينهم صاحب الفرح لا تتحرك ساكنة من مقعدها داخل منزل ابنها ومع ذلك فهي العصب الاساسي للاحداث , إمرأه مسنة تدرك غاية ابنها ومقصدة من هذه اللعبة فتساعده بكل ما لديها من عافية وتمنحه ما بين يدها من مال لسداد تكاليف اقامة الفرح , ويأتي حوارها التلقائي البسيط بينها وبين الراقصة التي إستأجرها ابنها لتحيي الفرح طوق نجاة يقطع علي الراقصة التي تجاوز عمرها سن الرقص اي تفكير للمضي في استكمال هذا العمل , شخصية ساحرة يتحرك بجوارها الحدث وهي ساكنة في زاوية صغيرة من هذا البيت المهلهل التي تسكنه مع ابنها وزوجته واولاده , وتتوالي الاحداث الجانبية علي هامش الفرح من سميرة بائعة البيرة البنت التي دفعتها قواعد السوق الي التنكر من انوثتها واخفائها والتشبه بأفعال وهيئة الرجال في كل تصرفاتها خوفا من طمع الفتنه بها , انثي خدرت احساسها الطبيعي في الحياة الي ان جاء حسن احد معازيم الفرح جاء ليشعل بداخلها ناراً خامدة لم تنطفيء سوي بقتله علي يديها بعد محاولته اغتصابها .
تبدو احداث الفيلم هادئة الي ان يفاجأنا المخرج بواقعة وفاة الأم والدة زين
هم التي تقسم الاحداث الي زمانين مختلفين الشكل والمعني , شكل فني غريب استخدمه المخرج وهو تغيير الحدث بما يناسب الفرد بمعني استدراكه للمشاهد ومفاجأته له في نهاية الفيلم باستعراض نهايتين متضادتين للاحداث , وعلي كل منا ان يختار الانسب له فالاحداث تنفصل بعد وفاة الام الي طريقين الاول استمرار زينهم في لعبتة بعد موت والدته وجمع المال لتحقيق حلمه , اما النهاية الثانية استسلام زينهم لضياع حلمه و لصرخة زوجتة التي تهز كيان الحارة معلنة انقلاب الفرح الي خاتمة عزاء .
مجموعة عمل نموذجية اعاد ادارتها من جديد المخرج سامح عبد العزيز بعد أن قدمهم العام الماضي في فيلم كبارية , اعادنا سامح بهذه التجربة الي التجارب السابقة لمجموعات العمل الواحد والتكتلات الفنية المصاحبة للمخرج في كل فيلم , أرجعها البعض لمرونة التعامل فيما بين الفريق الواحد ولكن دون الوقوع في التكرار والنمطية , فريق فني عمل المخرج علي تغيير شكلهم الفني بين كل عمل واخر فمنهم اسماء محترفه للتمثيل ومنهم وجوه جديدة , الجميع عرضه سامح في الفرح بشكل مختلف وجديد رغم فارق الخبرات المتفاوت بين الاجيال خلق المخرج حالة من الذوبان الفني بين نجوم الاجيال المختلفة وأعطاهم مفاتيح ذهبية لمعايشة الحالات المختلفة للشخصيات من خلال ادارته المحكمة لكل وجه منهم امام شاشة الكاميرا , انعكست أثارها علي العمل في مجمله .



0 comments:
Post a Comment