Tuesday, November 24, 2009

مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته 33


بدأت فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في العاشر من شهر نوفمبر الحالي والتي ستمتد وحتي العشرين من نفس الشهر , واختارت ادارة المهرجان هذا العام السينما الجزائرية لتكريمها وعرض عدة افلام جزائرية هامة وايضا تكريم المخرج الجزائري احمد راشدي عن مجمل أعمالة وعرض بعض أفلامه القديمة والحديثة ضمن فعاليات المهرجان , وتبعاً للتقليد الذي ينتهجه المهرجان سنوياً بإختيار دولة تكون هي ضيفة شرف المهرجان , فوقع الاختيار علي الهند نظراً لتفوق وانتشار السينما الهندية عالمياً واختيار المخرج الهندي " أدور جوبا لاكريشتان " لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الدولية , والفنان يحيي الفخراني لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة العربية , ويرأس لجنة التحكيم الدولية لمسابقة أفلام الديجيتال الروائية الطويلة المخرج والمنتج والكتاتب النيجيرى " فيكتور اوكهاى " .


ويشارك في هذه الدورة مائة وخمسون فيلماً من اربعة وستون دولة في أقسام المسابقة المختلفة , كما سيعرض علي هامش المهرجان النسخة المرممة من الفيلم المصري المومياء بشكلها الجديدة تكريماً للمخرج شادي عبد السلام والتي اهديت هذه الدورة الي اسمه كنوع من التكريم له , ايضاُ كرم المهرجان هذا العام بعض من فناني مصر والعالم وتميز بالحضور كل من الممثلة المكسيكية سلمي حايك والنجوم الامريكيين لوسي لو وصامويل جاكسون . مع نهاية كل دورة من دورات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي يصيبنا شعور متراكم بالاحباط يتملكنا تدريجياً مع بداية عروض أيام المهرجان وينتهي عند إعلان نتيجة الجوائز , ومن ثم يعاودنا الامل من جديد أن نشهد العام القادم دورة أكثر قيمة وأكثر تنظيماً وأكثر جدية تعيد لنا أمجادنا السابقة في تنظيم واستضافة مهرجانات السينما العالمية , التي بدأ منظمي المهرجان حالياً ينظرون إليه نظرة مختلفة غير كونه مهرجان سينمائي فني عالمي يعكس صورتنا أمام العالم , فانحرف اهتمامهم عن الهدف الرئيسي لاقامة المهرجان و التدقيق واختيار مواد فيلمية ترتقي الي قيمة المشاركة في مهرجان سينمائي دولي بحجم تاريخ مهرجان القاهرة والذي بدات تصيبة علامات الشيخوخة المبكرة وهو الذي مازال في بداية عقده الرابع , وانصب كل همهم علي القشرة الخارجية للتنظيم ودعوة ممثلين ذات صيت كبير ليسيروا علي السجادة الحمراء ويقيموا لهم الولائم والعزائم واستنزاف ميزانية المهرجان وتحويله لمهرجان سياحي وليس سينمائي .


مهم ان نحاول اكتساب خبرات في اعادة صياغة شكل المهرجان بما يتناسب والشكل العام للمهرجانات العالمية الاخري ولكن ليس علي حساب الجوهر , فما وجدناه هذا العام مع اول يوم من العروض ما هو الا هيكل فارغ وقلب ميت لادارة مهرجان عمرها الافتراضي انتهي من عدة سنوات , تري ان دعوة ممثلي هوليود شرف قومي يسعي اليه اي مهرجان عربي , يكفي تنازلهم ومرورهم علي السجادة الحمراء في عرض ازياء صيفي جدا ومنها الي حفلات السمر الصباحية والمؤتمرات الصحفية التي ترصد امام وسائل الاعلام فشلنا في التفكير والاختيار . محبي السينما من الحضور حاولوا ان يجدوا عزائهم في الافلام المختارة والتي من المفترض ان الجزء الخاص بالمسابقة الدولية فيها يعرض لاول مرة حسب اللائحة الدولية للمهرجانات , لكن ما شهدناه في اولي ايام العروض ما هو الا امتداد لسياسة الاهتمام بالشكل علي حساب المضمون والغفلة عن متابعة أدق التقاصيل الاهم من حضور سلمي حايك ولوسي لو وصامويل جاكسون للمهرجان. أكثر من فيلم من المشاركين في عروض المسابقة الدولية أقر صانعيهم انهم شاركوا من قبل في مهرجانات اخري عالمية وحصل بعض منها علي جوائز, فيلم الافتتاح الهندي نيويورك والفيلم التركي رأيت الشمس والفيلم الفنلندي رسائل الي الاب جاكوب ولو بحثنا لوجدنا غيرهم , , عوضا عن المستوي الرديء للأفلام الذي لا يرقي حتي للمشاركة في اضعف مهرجانات العالم , لكنه ايضا لا يخضع لشروط المهرجان , التي حرمت علي الفيلم المصري المسافر المشاركة في المسابقة الدولية لعرضه قبل شهور في مهرجان فينيسيا , لكن يبدو أن عقدة الخواجة أصابت المنظمين اللذين رفضوا ايضا فيلم عزبة أدم وهو فيلم مصري لم يعرض الا الان , بحجة انه لا يرقي للعرض في المسابقة واختيار فيلم المخرج مجدي احمد علي عصافير النيل وهو انتاج مشترك بين وزارة الثقافة والشركة العربية , فهل عصافير النيل هو الذي يرتقي للمشاركة في المسابقة أم أن الوزارة لا تريد أن تخرج الجائزة التي سيحصل عليها الفيلم بكل تأكيد من بين يديها لتبقي هي صاحبة الفضل الاول في انتاج افلام تحصد جوائز مهرجان؟ .


أما عن الافلام التي عرضت في اولي ايام المهرجان فمعظمها انتهج مبدا مشابه يمكن ان نصفه بالتسول والتسكح السينمائي امام الغرب , فكلما تابعنا عملاً سينمائياً غربياً يتعرض موضوعة إلي قضايا المسلمين أو العرب المهاجرين في أوربا وأمريكا لا نجد الا نمط وصورة واحدة تكاد تتطابق مواصفاتها في كل هذه النوعية حتي أصبحت صورة راسخة في ذهن المشاهد الغربي عن مسلمي اوربا وامريكا الذي تلتصق دائما هويته العربية والاسلامية بمفهوم الارهاب الدولي عند الغرب .

الفيلم الهندي نيويورك للمخرج كبير خان وهو فيلم افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورتة الثالثة والثلاثين هذا العام يقدم لنا نظرة مضطربة حول تعريف معني الارهاب من وجهة نظر صانعية الذي حاول الفيلم الاشارة اليهم ولكن بشكل متردد يلقي بجزء من المسئولية علي من صنع هذا الارهابي من البداية ومن اوقع عليه الظلم وانتهك حريتة وكرامتة الانسانية في المعتقلات السياسية في امريكا وجوانتانموا , ومن ثم تحول الي انسان غير سوي نفسياً دفعه الانتقام من اجل انسانيتة الضائعة الي محاولة الانتقام والثأر العشوائي الذي يسموه بالارهاب , لكن المخرج سريعاً يستعيد وعيه ويقلب كل الموازين ارضاء للجاني علي حساب المجني عليه , او بمنطق ان البقاء للاقوي والاقوي هنا هي الأفكار التي زرعتها القوي الامريكية في عقول شعبها وانتقلت تلقائياً الينا , وهي ان كل من يهدد أمنها هو ارهابي عربي مسلم الموت هو الحل الانسب له .

ينسج الفيلم من خلال أحداث متشابكة قصة الشاب الهندي عمر الذي حصل علي منحة دراسية في مدينة نيويورك الامريكية ولاول مرة يخرج فيها من مدينته الي العالم الشاسع ويروي عمر تفاصيل تجمعه بأصدقاء الدراسة بطريقة الفلاش باك بعدما أحتجزته الشرطة الفيدرالية بتهمة حيازته متفجرات وعلي مدار الاحداث نكتشف انها مجرد خدعة لتوريط عمر في الكشف عن عناصر ارهابية تخطط لعدة تفجيرات داخل الولايات المتحدة , سمير وهو امريكي من اصل هندي الصديق الوحيد لعمر والمنافس له علي حب زميلاتهم مايا هو العقل المدبر لهذه العمليات ولم تقوي الشرطة علي مواجهته الا باستخدام شرك وهو عمر الذي يبدو كـ الابله لا يدري ماذا حدث من حوله وكيف تحول صديقه الي ارهابي كما يدعي له ضابط الأمن الفيدرالي وهو ايضاُ امريكي هندي الاصل .

يقدم هذا الفيلم نوعاً جديداً ومختلفا عما تتميز به السينما الهندية من تقديمها لموضوعات محلية إستهلكها منتجي بوليود حتي أصبحنا نغرق بها وندركها قبل ان تحدث , لكن في هذا الفيلم الذي لا يبدو هندياً خالصاً بل فيلم مهجن افراده يحملون الجنسية الهندية لكن أفكاره وتوجهاته تحمل الجنسية الامريكية , الفيلم بالكامل صور في مدينة نيويورك وتكلفت ميزانيته ما يزيد عن اربعة ملايين دولار والحالة الخاصة التي يعرضها الفيلم ما هي الا انعكاس مستتر لوجهات النظر الغربية ولكن داخل رداء هندي . كيف يصنع الارهاب ومن اين يأتي وما هو مصدرة واهدافة وغايته وانواعه والمصير الذي ينتظر هؤلاء الارهابيين , من هو الجاني ومن هو الضحية , من اللحظة الاولي للاحداث يخدعك المخرج بالحوار المراوغ والذي يوقع المشاهد في حيرة لا تتضح معالمها الا مع مشاهد تاليه نكتشف فيها حقيقة تلو الاخري , فالمشاهد للوهلة الاولي يظل متردد بين الشك واليقين حول باطن كل شخصية , فظاهرها يبدو عكس ما نكتشفه دائماً وعن ما يفاجأنا به المخرج .

سمير هو الهدف المطلوب تصفيته من قبل السلطات الفيدرالية أصبح ارهابياً يحاول الثأر لكرامته بعد احتجازة تسعة اشهر في معتقل جوانتانموا ضمن حملة اعتقلات المسلمين والعرب التي شهدتها امريكا بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر , التي خلفت جيلاً جديداً من العنف التلقائي في ردود أفعال المحتجزين بعد الافراج عنهم , سمير او سام الذي تجرد من شخصيته الوديعه بعد خروجه من المعتقل ارتدي شخصية اخري اكثر عنف ونعت بالارهابي , رغم احباط الشرطة لعملية تفجير كان علي وشك القيام بها , وهي العملية الأولي التي كانت تحاول زوجته مايا وصديقه عمر افسادها حتي لا يتحول الي ارهابي بالفعل ولكن الشرطة لم تعطيهم المجال لردعه وقتلته هو وزوجته .

السمة العامة الي الان في اختيار افلام المسابقة هي المخاطبة السياسية المباشرة والصريحة للغرب , التي تدعم أفكاره وترسخها كأنها الحقيقة بعينها ومبدأ للخلاص .

ايضا من افلام المسابقة الرسمية الفيلم التركي رأيت الشمس , واشتراك هذا الفيلم ايضاً مخالف لشروط المسابقات الدولية حيث انه عرض من قبل في مهرجان طوكيو والفيلم متاح للمشاهدة الحره علي شبكة الانترنت , وحسب رواية المخرج ان الاحداث أخذت عن واقعة حقيقية لأسرة كانت تعيش علي الحدود بين تركيا وايران ويتعرض الفيلم لمعاناة الاكراد اللذين يسكنون الجبال بين تركيا وايران , ورفض الحكومات اقامة مجتمع مستقل لهم منفصل عن حدود الدولتان , وبعد عدة معارك غير متكافئة القوة بين الشرطة التركية والمتمردين التي تنتهي بتصفيتهم مثل العصافير من الجو بالطائرات الحربية , تطالب الحكومة هذه القبيلة مغادرة الأرض والنزوح الي اي مكان أخر , فتنقسم الاسر التي تبدو وكأنها جاءت من مجتمع البادية الي قسمين القسم الاول يستهوية الحلم الاوربي ويسعوا اليه بطريقة غير شرعية تكلفهم أموال طائلة لم ندري من اين أتوا بها ولم يقدم لنا المخرج أي تفسير كيف دفعت أسرة من هذا المستوي الاجتماعي الساذج والبسيط جدا هذا المبلغ الكبير لتسهيل هجرتهم الغير شرعية الي النرويج , ولكن الرحلة التي سلكوها تبدوا أكثر غرابة مما تعودنا ان نتابعة عن معاناة المهاجرين الغير شرعيين الي اوربا , وكانهم في نزهه بحرية يصلون سريعاً ودون عوائق حقيقية الي النرويج وسرعان ما يكتسبون تعاطف الاوربيين اللذين يقدمون لهم مفاتيح الحياة الزاهية ونراهم يذوبون في المجتمع الاوربي وكأنهم يعيشون فيه منذ أمد طويل , علي العكس هي الاسرة الاخري التي اختارت ان تبقي في اسطنبول فقد ذابت ايضاً في مجتمع المدينة ولكن ذوبان الفناء والتلاشي والتصادم بين حياة الجبل وحياة المدينة , فالمخرج أعطي مساحة أكبر لهذا النموذج المحلي الذي لم يستطيع التأقلم مع الحياة المدنية فقضي عليهم وفضلوا العودة الي ديارهم , فاذا سافروا من البداية الي السحر الاوربي ربما كان الوضع أفضل مثل جيرانهم .

لم يعطينا المخرج أي فرصة لاتهامة بالتمسح في استجداء الاوربيين لفتح الحدود مع تركيا , لكنه صرح بها في العلن اثناء المؤتمر الصحفي الذي عقده بعد عرض الفيلم , وعن تمنيه ان تكون تركيا بلد مفتوحة علي اوربا من ناحية الحدود كما هي من ناحية الافكار والحريات والثقافة فلما الحدود اذا , فقد أعطي المخرج للاوربيين حجه و مثالاً قوي في شخصية الاخ الاصغر للاسرة التي هاجرت الي اسطنبول , شاب يمتلك نوايا مثلية تستقطبه مجموعة من المتحولين اثناء وجوده في المدينة يترك اهله ويذهب للبحث عن رفيق له في نوادي الدعارة وشوارع الساقطين بشكل فج ومشاهد بالغ المخرج في تقديمها لنفاجأ قبل النهاية ان هذا هو الهدف الرئيسي للفيلم وليست مشكلة الاكراد علي الحدود , فالحوار الذي دار بين هذا الشاب وبين اخوته قبل ان يقتلوه خوفا من العار الذي يلحق بهم , وأنهم عليهم الاقتناع والتسليم أن الله هو الذي خلقه علي هذا الوضع وعليهم تقبل الأمر دون أعتراض والمسألة في الأخير تخضع لحريته واختياره أي بشر هو يحب ان يكون عليه , يؤكد لنا انه فيلماً دعائياً يداعب الاوربيين ويحنن قلوبهم بالتمسح في أفكارهم وأخلاقهم , فلا توجد حياة أمنه لمثل هذا النموذج الا في أوربا أو أن تنتقل أوربا نفسها الي الاراضي التركية



0 comments:

Post a Comment