غياب الفيلم المصرى من المهرجانات.. حتى المصرية !
منذ أن بدات دول الخليج العربي والتي يدعوها البعض بدول النفط , منذ أن بدات الإهتمام بصناعة السينما سواء بدعم انتاج أفلام طويلة أو قصيرة بميزانيات كبيرة غير محدودة وإقامة المهرجانات السينمائية الدولية علي مستوي حرفي وعالي والاستعانة بخبرات عربية وأجنبية من أجل ابراز صورة عربية مشرفة أمام السينما العالمية وتخصيص ملايين الدولارات لجوائز هذه المهرجانات لجذب صناع الافلام عالمياً وعربياً ومحلياً ايضاً للمشاركة فيها , وانشاء أكاديميات متخصصة في صناعة السينما لمحاضرة اكبر عدد من الطلبة والمهتمين بإنتاج السينما من دول الخليج العربي ودول الجوار بعدما كانوا يعيشون في حرمان سينمائي يستوردوه من مصر هوليود الشرق علي انها اكبر دولة في المنطقة العربية لديها تاريخ طويل وقيم من الأفلام السينمائية , هذا المصطلح الذي لم يطلق علي السينما المصرية من خلال نجاحها الداخلي فحسب بل تصدرها قائمة السينما العربية في الانتشار والتميز مقابل فقر صناعتها في معظم الدول العربية الأخري مقارنة بعدد ما انتج من افلام طوال مائة عام وأكثر مرت علي بداية ظهور السينما عالمياً .
فمصر كونها واحدة من أوائل دول العالم التي عرفت صناعة السينما أصبحت بفعل السنين وقدر انتاجها الاولي في الشرق الاوسط في هذا المجال , ولكن مع بداية انتعاش سينما من نوع جديد , سينما الديجيتال وظهورها في منطقة الخليج العربي وان لم تنتج الي الأن عملاً عالمياً يتساوي ولو بقدر ضئيل مع ما انتج علي مدار مائة عام في مصر , إلا انها تحاول وتجتهد بشكل كبير في زرع بذور هذه الصناعة علي مستوي واعي وعالي و ايضاُ تصنف رغماً عنا داخل اطار السينما العربية بجانب السينما المصرية التي كانت تتصدر قوائم المهرجانات العربية مؤخراً .
فالكثير ممن تأخذهم مشاعر الغرور بتاريخ لو لم يحافظوا علي ما تبقي من انقاضه سيزول مع هذا التيار الجارف الذي لا تعوقه اي ميزانيات , هؤلاء أصيبوا بالفزع من هجوم المهرجانات النفطية كما يسموها في مقابل مهرجانتهم التي رسخت في السابق لصناعة السينما عربياً قواعد واعمالا نفخر بها الي الان , ربما لا نستطيع انكار ان لفزعهم ايضاً جذور اخري غير اقامة المهرجانات ذات الميزانيات المفتوحة , فنحن في مصر لا نقبل ان يسحب البساط من تحت اقدامنا في اي مجال – رغم انه سحب من زمان – ولا يزال الغرور يعصف بنا علي اننا مازلنا محافظين علي مجرد لقب هوليود الشرق , دون ان ندرك ان الخوف من محو هذا المصطلح تدريجياً لا يكمن في الدولارات التي تدفع قيمة لجوائز المهرجانات الخليجية , فالمعركة الخاسرة التي نضع انفسنا داخلها معركة غير متكافئة بين تاريخ طويل يحق لنا ان تفتخر ونعتز به لا نغتر وننسي ان هذا التاريخ بدأنا نلوثه بايدينا بعدما حول البعض صناعة السينما الي نزاعات عربية فيما بينهما , نضف الي ذلك ان حاضرنا من انتاج السينما لم يكمل مسيرة هذا التاريخ بنفس القيمة الفنية , فما أصابنا من خيبة أمل في الفترة الاخيرة من عرض عديد من الأفلام التي يصنفها البعض بأفلام الدرجة الثالثة تمثل أكبر كارثة حقيقية وخطر أقوي من منافسات المهرجانات الخليجية وجوائزها , فبعد المذبحة الدموية التي لوثت أعيننا في أفلام الموسم الصيفي والذي لم نشهد منه سوي القليل بل النادر من الأعمال الجيدة , كنا ننتظر موسم عيد الفطر بقليل من الأمل الذي يعطينا عيناً قوية حينما نهاجم هذا المهرجان او تلك , فما رأيناه جاء أكثر من مخيب للأمال , احساس يدعونا الي الخجل و الكسوف من انفسنا والانغلاق علي محليتنا لاعادة الحسابات .
هل أصبح كل ما يهمنا هو الحفاظ علي مصطلح بدا يتلاشي فعلياً من بين ايدينا , وهل سنحاول تجديد انفسنا داخلياً لنقوي علي الجلوس مرفوعين الرأس جنباً الي جنب أفلام تعدت ميزانيات انتاجها ملايين الدولارات لنتباهي اننا فنانين مصرين قادمون من هوليود الشرق , نقف لندعم ونساعد سينما عربية وليدة يحسب نجاحها او فشلها علي المنطقة العربية , هل يمكن ان يتكاتف رأس المال مع خبراتنا في الشرق ام سنظل في محل نزاع ومنافسة غير متكافئة .
أصابني خطاب وزير الثقافية في الاجتماع الذي حضره مع اللجنة العليا لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي هذا العام بالحيرة , حينما صرح أن مشاركة الفيلم المصري في مهرجان دولي خارج مصر هي عملية أكثر أهمية من أن يشارك الفيلم الوحيد الذي انتجته وزارة الثقافة بعد سنوات طويلة من انتاجها لفيلم المومياء , ان يشارك في مهرجان القاهرة السينمائي , فمشاركته في الخارج تعطي لصناعة السينما المصرية قيمة أكبر عنها اذا تم عرضه داخليا علي ارضه.
ما هي هذه القيمة التي تمنح للسينما المصرية عندما يتسكع انتاجها في رحاب افلام بلغت ميزانياتها عشرات الملايين من الدولارات , لنعود ونقول يكفينا شرف المحاولة ورفع علم مصر فوق سماء هذا المهرجان وتلك , اذا صنفنا عملية صناعة السينما علي انها تجارة ربحية فاولي مباديء التجارة هي تخصيص اكتفاء ذاتي داخلي ثم تصدير الفائض للخارج , لكن الفيلم منتج ثقافي ليس منتج استهلاكي محلي .
الغريب والمحير هو تحريم هذا الفعل علي باقي شركات الانتاج التي هي في الاساس شركات تجارية يتعامل معظمها مع الفيلم علي انه منتج تجاري ,بما ان وزارة الثقافة تري ان تمثيل الفيلم المصري في الخارج أهم وأقيم من أن يسد صفير الهواء في مهرجان القاهرة فلماذا نعتب علي تجار السينما في تهربهم من دخول اعمالهم مهرجان القاهرة فهم يتعاملون بفكر تجاري تسويقي عند عرض انتاجهم في مهرجانات عربية اخري تعطيهم اكثر من مجرد لقب هم في غني تجاري عنه .

0 comments:
Post a Comment