Friday, December 25, 2009

فيلم "ولاد العم" .. تجربة طموحة لم تكتمل


فين هم ولاد العم في الفيلم ؟ , كانت هذه الجملة من أوائل التعليقات التي سمعتها من احد الحضور بعد انتهاء عرض فيلم ولاد العم للمخرج شريف عرفة الذي طرح مؤخراً في موسم عيد الاضحي علي متابعي السينما ,وقد بدوا جميعاً من الشباب الذي لم يدرك معني اسم الفيلم وأن المقصودين بولاد العم هم اليهود .
خيبة أمل ثقافية أصابنا بها الشباب الذي يرتاد السينما بهدف الضحك و الفرفشة , تبعتها خيبة أمل فنية تجسدت في محاولة طموحة لانعاش نوعية سينما الجاسوسية من جديد , لكن سريعا ما بدأت الفكرة تتلاشي مع السيناريو الذي حمل اجزاء كبيرة ومواقف أقل ما توصف به هي السذاجة في الطرح واللعب بعقل المشاهد , فالاحداث حملت جانبا كبيراً من الخيال الفني الذي أفلت من يد الكاتب حتي أصبح مبالغ فيه وصولاً لحدود اللامعقول والغرائبي .

تبدو الأحداث جميعها تدور داخل اسرائيل , حيث سلوي الزوجة والأم المصرية التي يخطفها زوجها مع طفليها الي اسرائيل وتكتشف بعد سبعة أعوام زواج ان زوجها ضابط مخابرات اسرائيلي يهودي , يضعها في اختيار صعب اما ان ترضي بالامر الواقع وتحيا معه واولادها داخل اسرائيل او تعود بمفردها الي مصر وتحرم من رؤية أولادها , فيأخذها احساس الامومة تدريجيا الي التسليم بالامر الواقع ولو مؤقتاً حتي تسترجع هويتها التي بدأت تتسرب منها باحتكاكها بهذا المجتمع وذوبان ابنائها فيه تدريجيا , فتحاول دائماً في تردد كسر الحصار النفسي الذي ينسجه حولها زوجها ( عزت – دانيال ) لكنها تفشل , فالزوج لم يتبع معها منهج القوة في البداية لكنه سيطر علي افكارها وحاصر اي صورة نمطية في ذهن سلوي عن هذا المجتمع العدواني , قلب الحقائق , لعب بالافكار , اتبع سياسة غسيل المخ وتشويه صورة مجتمعنا العربي مقابل مجتمعه المتقدم الذي لا يحمل أي خلفية تاريخية ابعد من رمش العين والذي وضع الاساس له دول اخري سواء ماديا او معنوياً , وبدأ بتخدير ذكرياتها تدريجياً وبالفعل تشرب سلوي الماء علي كلام زوجها الاسرائيلي وتستسلم له ظاهريا حتي يتكشف لها حقيقة افتراءه ودعائاته وبنيه هذه الارض المغتصبة , فتتعرض مباشرة لكل انواع القهر الانساني من عنصرية وعنف واستبداد .

أشار كاتب السيناريو عمرو سمير عاطف من خلال الاحداث وبشكل سريع الي العلاقة الشكلية بين مصر واسرائيل والتي تحمل في باطنها نفور قومي لا يخلو من الذكريات المريرة التي علقت بذاكرة وتاريخ امتنا بشكل خاص , كان الكاتب يصر دائما علي لفت الانظار لوجود علاقات فيما بيننا وبينهم حتي وان كنا نرفضها , لكنها موجودة بكل الاحوال , وصب تركيزة في تصوير حياة المصريين العاملين او المهاجرين لاسرائيل سواء بالتلميحات او بالتصريحات , بل وحاول مداعبة افكارنا التي كونتها سينما الجاسوسية لعقول المشاهدين في ارتباط شرطي ان كل مصري يسكن اسرئيل هو جاسوس او العكس , نراها في رد فعل سلوي عندما تتعرف في احدي الحفلات علي شاب وزوجته ويعرفها بنفسه انه مصري ويعمل ويعيش هناك في منتهي النجاح فتصرخ في وجهه " انت كمان جاسوس " .

سلوي ( مني زكي ) , الام المترددة دائما في انفعالاتها لا يمكن ان تتوقع خطواتها القادمة , فالمخرج أعطاها مساحة كبيرة تجمع بين احساس متناقض منقسم ما بين الملامح المستسلمة قهراً والتي تذوب يوما بعد يوم , والتي ركز علي تكثيفها في نظرات العيون المملؤة طوال الفيلم بدموع لم تسقط , وبين الرغبة المكبوتة في الصراخ والعودة الي بلدها ودينها وفزعها من ملاحظة انصهار طفليها سريعاً في هذا المجتمع الجديد والمعادي لاصلهما , الذي يصر والدهما الاسرائيلي علي تكيف اولاده فيه فيحاول تعليمهم اللغة العبرية و طقوس الصلاة اليهودية وزيارة الاهل وفتح مجال لصداقات مع الجيران والمجتمع من حولهم , فتصحو الام علي ايقاع خطوات زوجها السريعة ان اولادها في لمح البصر اصبحوا مواطنين اسرائليين انقياء , فتقرر اخيرا التعامل بايجابية لانقاذ ما تبقي لها والعودة الي مصر بصحبة طفليها بمساعدة رجل المخابرات المصري الذي ذهب لانقاذها .
شخصية ضابط المخابرات قدمتها بعض الافلام التي تحدثت عن موضوع الجاسوسية فيما قبل حروب 67 و 73 , وقدمتها ايضا الدراما التليفزيونية عدة مرات متناولة فترة ابعد بكثير , تبدأ مع بداية ثورة 52 حيث الشروع في تكوين هذا الجهاز الامني ونجحت هذه المحاولات في ارساء هيكل لشخصية لم تكن موجودة في السابق في الدراما او السينما , وهي شخصية رجل المخابرات وان كانت تناولتها بعض الافلام التي قدمتها السينما المصرية ولكن في سياق اخر يعرف بالبوليس السياسي في عهد الحكم الملكي .
وكما هو متداول ومعترف به ان جهاز المخابرات المصري من اقوي الاجهزة الامنية في العالم ولا يقل كفاءة عن اجهزة المخابرات الامريكية او الروسية او حتي الاسرائيلية , لكن ما اتاحه الفيلم في تصوير شخصية ضابط مخابرات مصري يعطينا ايحاء دائم انه لأول مرة يبصر حال فلسطين وما يعانية الشعب الفلسطيني علي الطبيعة , بل و يذهب في وضح النهار بكامل هيئته دون اي مجهود في التخفي عن الانظار , ليدخل مبني الموساد الاسرائيلي كي يحصل علي معلومات من مكتب احد ضباطه وهو زوج سلوي , أمر ليس فقط مبالغ فيه فنياً ولكنه يقلل من استيعاب السينما المصرية لمدي كفاءة اجهزتنا الامنية , بل ويمتد الحدث الي ابراز الاخر أكثر قوة ودهاء بعدما يلقي دانيال ( شريف منير ) القبض علي الضابط المصري ( كريم عبد العزيز ) داخل مكتبه , بل ويفاجئنا ان المخطط بالكامل عملية منظمة من الموساد للايقاع بالضابط المصري بكل سهولة , وكأنهم واثقون انه هو بالتحديد سيأتي لاسترجاع سلوي واطفالها .

ويمتد الخيال اللامعقول الي بعد مرحلة الاكتشاف , حيث مرحلة التعذيب البدني بالكهرباء الي ان يكاد يتوقف قلبه فينهض الضابط الاسرائيلي لاسعافه ونقله الي المستشفي وسط تل ابيب التي تعمد المخرج في عدة لقطات اظهار الشكل الجمالي لها والرقي في تصميم المباني واناقة المعمار الاوربي مقارنة بالمنازل الفلسطينية المهدمة علي الجانب الأخر , وسط كل هذه الاحداث تتم عملية انقاذ الضابط المصري وسط معركة صاروخية فتاكة تعصف بعربات الموساد ومن فيها دون ان نعلم من بدأها وكيف بدأت وكيف لمسيرة امنية كهذه ان تكون غير مؤمنة بحراسة كافية .
القصة تبدو طموحة في السياق العام والتجديد في ابتكار حوادث وأفكار مسبوقة وخيالية , لكن الخيال جنح بالكاتب كثيراً لمناطق وتفاصيل لم يستوعبها المتلقي , بل واصبحت محل سخرية من البعض في صالة العرض , وخصوصا الاحداث الهوائية التي لم تكتمل ولم يعطينا الفيلم عنها اي تفسير منطقي بل شغلت المشاهد وشتت تفكيرة بعيدا عن الحدث الاصلي .
ان لم يكن تميز هذا الفيلم برز من خلال حبكة السيناريو المبالغ في تصويرة , لكنه تميز بالعناصر الفردية واداء الممثلين اولهم الفنان شريف منير ( دانيال ) الذي يثبت دائما انه نجم من نجوم الصف الاول , أداء ثابت من فنان محترف جعل المشاهد يؤمن بصورته الصهيونية علي الشاشة , سواء من خلال حديثه المتقن للعبرية او من خلال ادائه الفني الطموح والمتجدد الذي يميل بين الهدوء النفسي العنيف وبين يقينه الداخلي وتركيزة علي تحقيق هدفه والاحتفاظ بكل الخيوط في يده

Tuesday, December 15, 2009

فيلم أمريكا للمخرجة الفلسطينية شيرين دعيبس


بعد العرض الخاص الذي أقيم للفيلم الفلسطيني الأمريكي المشترك "أمريكا " ضمن مشاركته في المسابقة العربية لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته هذا العام , خرج بعض متابعي الفيلم ينبذون فكرة الفيلم والتي إعتبروها دعوة صريحة لتهجير الشعب الفلسطيني وشتاته في العالم ليفسحوا المجال لاسرائيل بالاستيلاء علي ما تبقي من الأراضي الفلسطينية , ويبدو لمتابعي الفيلم للوهلة الأولي أن الموضوع مكرر في عدة أفلام سابقة تضمنت خلالها تلميحات وأراء حول تهجير الفلسطينيين من أراضيهم , لكن فيلم أمريكا لمخرجته شيرين دعيبس بريء من هذا الإتهام , وإن نظر له البعض بهذه النظرة الأولية والنمطية التي تنحصر في الاذهان عند تناولنا للأعمال الفلسطينية وردود الافعال حول هوية الفيلم طالما انه انتاج مشترك بين امريكا وفلسطين .

فالمشكلة الموازية لمشكلة نمطية بعض الافلام في السينما الفلسطينية هي ارتباط فكرة الانتاج المشترك بين الدول العربية والاوربية والامريكية بالشبهة الثقافية واتهام بعض الاعمال انها دعم للأفكار المناهضة للسياسة العالمية في اطار السينما , ربما يوجد بالفعل اساس لهذا الاتهام الذي تحول الي هاجس كلما سمعنا عن عمل سينمائي بتمويل مشترك تساهم فيه أكثر من دولة وبات الوضع محيراً عند تصنيف جنسية الفيلم التي من الممكن ان تتوزع بين اكثر من ثلاث واربع دول ساهموا في انتاج الفيلم , لكن ادارة المهرجانات تجاوزت هذه الحيرة بتصنيف الفيلم تبعاً لجنسية مخرجه الأصلية , لكن ليس من العدل تعميم هذه الشبهة علي كل ما يأتينا بتمويل أوربي أو أمريكي .
أمريكا وهو فيلم أعتبره مختلفاً عن انتاج الأفلام الفلسطينية التي أصبحت موضوعاتها تميل الي التطابق أحياناً , فنحن ندرك أن المشكلة الرئيسية التي يعاني منها الشعب الفلسطيني مع الاحتلال الاسرائيلي والقسوة والظلم والاضطهاد الخ , وهذا أكثر ما ينعكس دائماً بوضوح في انتاجهم السينمائي ويبدو واضحاً أمام العالم , حتي تعودنا عليه كسمة أساسية لا يخلو منها الفيلم الفلسطيني , فما نلبث أن نسمع أنه فيلم فلسطيني الا وسرعان ما نتنبأ بمضمونه وقصته التي لا تنحرف عن كونه صرخة تصيغ المأساة وتصف الوضع الحالي مع اختلاف التناول والاسلوب الفني بين كل مخرج وأخر , مما يشعرنا في مرات كثيرة بالتكرار خصوصاً في تصوير الجدار العازل والمناطق الحدودية ونقاط التفتيش وانتشار الجنود الاسرائليين في شوارع المدينة , هذه اللقطات التي لا يخلو فيلماُ فلسطينياً منها حتي صارت سمة وعلامة مميزة للفيلم الفلسطيني .
وربما إختلاف فكرة هذا الفيلم " أمريكا " , أثارت هذا الجدل بين بعض النقاد , صدمة المشاهدة الاولي وتجديد الافكار وكسر نمطية الصورة والاداء المرح لمجموعة الممثلين والاطفال المشاركين , التميز البارز الذي أبدته شيرين دعيبس مخرجة الفيلم في مزج الحديث بين الشخصيات ما بين العربية والانجليزية بسلاسه أعطت روحاً فكاهية للاحداث وعكست الانقسام النفسي الذي أصاب أبطالها والذي لم يبدأ عند وصولهم أمريكا فحسب , بل أعلنت لنا عنه مبكراً داخل فلسطين بين الاسرة , بين الجيل القديم من الاجداد والجيل الحديث من الاحفاد , وكأنه يعكس صورة لشتات أكبر هو شتات الروح داخل الوطن .
ويمتد هذا الشتات الذي سريعاً ما يتحول الي مثابرة وراثية في دماء الشعب الفلسطيني , مثابرة علي البلاء والغربة الداخلية والظلم , بعدما تقرر مني الهجرة الي امريكا من أجل إبنها الوحيد والاقامة عند أختها رغدة التي هاجرت ايضاً منذ خمسة عشر عاماً مع زوجها وبناتها التي ترفض تأمرك سلوكياتهم وتداخلهم التام في المجتمع الغربي وضياع أصولهم العربية وذوبانها في عادات المجتمع الامريكي .
الأمومة هي الدافع الوحيد وراء فكرة الهجرة الي امريكا الذي دفعت مني أن تترك أرضها وأهلها وعملها في أحد البنوك الفلسطينية , ومن جهه أخري تقبل إحساس الغربة والعمل في احد محلات الوجبات السريعة التي تخجل من ان تخبر عائلتها عنه , هذا الدافع الوحيد الذي لا يمكن لنا ان ننبذه ولا ان نلومها عليه , احساس الامومة والخوف علي الابناء والتفكير لهم في مستقبل افضل هو شعور تلقائي وطبيعي يدفع بالام ان تلقي بنفسها في الجحيم ليس فقط ان تهجر تاريخها ووطنها وأهلها وذكرياتها .

نجحت المخرجة في الخروج من فكرة التحريض والدعوة الي التهجير بتوظيفها لفكرة الامومة المجردة من أي أفكار أو نوايا سوي حبها لطفلها , مجرد حالة انسانية لأم تخشي موت ابنها الصغير أو تعرضه لاعتقال ولا حرج في سعيها لينال درجة أفضل من التعليم والنجاح خارج أسوار الإحتلال وهو حق مشروع لكل أم حتي وان لم تكن أرضها محتلة , وتعلنها مني مباشرة عندما يبدأ إبنها بتغيير سلوكه وانتهاج أفكار وأفعال أصدقائه التي تنحرف عن أسباب هجرتها الي أمريكا , فتدعو إبنها انها لم تغادر الوطن الا للبحث له عن مستقبل أفضل لا ليرتدي الزي الامريكي ويتزين بالعقل الامريكي والا فما الحاجة للغربة اذاً , فالفيلم يجمع بين المرح والمشاعر الانسانية والحنين الي الوطن بكل ما فيه من مأسي وإضطهاد وعنصرية لأنه في النهاية يظل وطن .
يحمل الفيلم أيضاً تيمة الأمل والامنية في خلق حياة مشتركة وربما هذه الدعوة الحقيقية التي نادت بها شيرين دعيبس مخرجة الفيلم , وهي توفير حياة مناصفة بين الفلسطين واليهود سواء داخل فلسطين أو خارجها , إختزلتها شيرين في شخصية مدير المدرسة التي التحق بها فادي ابن مني بأمريكا , وهو شخصية يهودية أمريكية أشبه بالكاريكاتيرية , سريعاً ما نجده يندمج مع مني وعائلتها كأنه فرداً منهم أو صديق حميم .
صرخة صاغتها شيرين في هذا العمل جاءت بعد يأس من انهاء الاحتلال الاسرائيلي كلياً , فحاولت إيجاد مخرج للدائرة السياسية المفرغة والتي لن تنتهي وقدمت دعوة صريحة وعلنية لفكرة التعايش السلمي بين الجانبين شرط أن تتوفر المساواه في توزيع الحريات والعدل , حسب ما عرضته المخرجة من وجهة نظرها في أمريكا أرض الحريات كما يسموها , ولكن هل المهاجرين من بلاد عربية يتمتعون فعلاً بنفس هذا القدر من العدل والحرية التي يتمتع بها المواطن الامريكي أو المهاجر الأوربي داخل أمريكا ؟.
حصد الفيلم جائزة جمعية النقاد الدوليين الفايبريسي في مهرجان كان 2009 كما شارك في مهرجاني ستوكهولم و سان دانس قبل مشاركته في مهرجان القاهرة .