Saturday, February 27, 2010

ولد وبنت .. شباب ضائع في فراغ عاطفي .

مع التقدم السريع للمجتمعات في كافة مجالات الحياة العملية تتغير تدريجياُ المفاهيم الانسانية بين الناس ويزداد ايقاعها سرعة حتي تكاد المشاعر تفلت من يد الكثيرين وتحولهم الي ما يشبه الالات , ولكن في ظل هذا التطور وتقدم الفكر الانساني هل يوجد ما يسمي بتطور المشاعر التلقائية التي تميز الانسان عن غيره من الكائنات , فالحب والرومانسية هما اكثر المشاعر التي كرم الله بها الانسان دون الحيوان , والتي بدأت تتغير مفاهيمها وتختلف مفردادتها ومعانيها ضمن موجة التطوير والحداثة حتي فقدت شكلها وضاع إحساسها البريء في ظل عولمة المشاعر والرومانسية , ويمكن ان نرصد مراحل تطورها من خلال اللغة عبر الادب أو السينما علي سبيل المثال .
فيلم ولد وبنت هو العمل الأول لمعظم طاقم الفيلم في مقدمتهم المخرج كريم العدل الذي تخرج من المعهد العالي للسينما حديثاُ ويبدوا ان وجوده ضمن طاقم عمل شديد التأثير في السوق السينمائي المصري وهو العدل جروب أعطاه فرصة كبيرة للانطلاقة الأولي من خلال سيناريو المؤلفة علا عز الدين وهو ايضا عملها الروائي الطويل الأول في السينما وبمصاحبة فريق من الممثلين الهواه للوقوف امام الكاميرا وهما احمد داود , مريم حسن , ايه حميدة .
صنف بعض من صناع الفيلم عملهم الأول هذا علي أنه ينتمي للسينما الرومانسية الضائعة بين هذا الجيل الجديد من الشباب حيث ايقاع الحياة السريع وهموم ومشاكل لا نهاية لها , إذا فكل ما جاء في هذا الفيلم يحمل وجهة نظر صانعية حول مفهوم الرومانسية الحالية في القرن الواحد والعشرين , والتي لمسنا تغير مفرداتها عن الرومانسية المعتادة علي مسامعنا حتي انها تفقدنا الأمل في عودة الرومانسية الي السينما المصرية اذا كانت جميعها تحمل هذا الشكل الفني الهزلي في التعبير عن الرومانسية , فهل الرومانسية تعني الانانية في الحب والتي تمثلت في شخصية البطلة ( شهد ) , أم أنها تعني الاذلال في الحب والتي عكسها بقوة مفرطة ( سامح ) بطل الفيلم , او ربما هذه هي الرومانسية الحديثة للقرن الجديد .
يعيدنا الفيلم عن طريق الفلاش باك الي قصة طفلين يلتقون صدفة داخل أحد محلات الملابس ودون ادني معرفة مسبقة يتبادلون النظرات الغير بريئة لأطفال لم تتجاوز أعمارهم السبعة سنوات , حيث تبدا المفارقة بين معاملة الأب لإبنته ودلاله المبالغ فيه لها أمام قسوة المربية علي الولد الذي تصطحبه في يديها , ويفترق الصغيران علي ان يجتمعوا مرة اخري في ساحة المدرسة وتنشأ بينهما علاقة طفولية لا تمت للحب بصله , وإذا تداركنا تصرفات الشخصيات أثناء مرحلة الطفولة والمراهقة علي أن الموضوع بأكمله ( لعب عيال ) يبحث كل طرف فيه عن شيء مفقود في حياته الأخري داخل جدران البيت , فـ شهد إبنه لكاتب وأديب مشهور يتخذ من حبه لإبنته مادة في أعماله الأدبية التي ينعتها بعض النقاد أنها تخاطب حب الجسد والشهوة عند الرجال عنها من انها تخاطب الحب البريء , ويحاول المخرج ان يبرز للمشاهد العلاقة القوية بين شهد ووالدها والتي تصل الي حد تشبيهها بعقدة اليكترا من شدة التواصل بينهما والذي يتسبب في وجود فراغ كبير في علاقة شهد مع أمها ( سوسن بدر ) , وتكون هذه الفجوة أكثر عمقاُ بعد وفاة والد شهد والتي تتفاجأ أثناء وجودها داخل قاعة الامتحان بالمراقب يستدرجها خارج قاعة الامتحان ليصدمها بخبر وفاة والدها , فتختفي بعدها شهد من احداث الفيلم لهروبها من حزنها الي الدراسة خارج مصر وتترك سامح دون ان تترك له كلمة او رسالة , وتتزوج امها ويسترسل سامح في حياته وينهي دراسته بمصاحبة صديقتهم المشتركة التي تحبه في الخفاء وتنبذ أفعال شهد المخذلة لحب سامح , أما سامح فهو ايضا لديه نفور من والدته التي تعمل كطبيبة لأمراض النساء والتي تكرس حياتها ووقتها كاملاُ لعملها وتترك إبنها بين يدي المربية القاسية , فيهرب سامح بحثاُ عن حنان الامومة المفقودة في حياته ويلجأ الي والدة شهد ليبقي بجانبها حتي تعود شهد وتلقي بالازهار في وجه سامح من بعد غياب سنوات ثم بعد بضع مشاهد تلقي نفسها بين احضانه عندما تحتاج لمن يملأ لها فراغ حياتها المبعثرة , وليس حباُ فيه .
لم نشعر ولو للحظة واحدة ان شهد تحمل في جوفها اي مشاعر ايجابية تجاه سامح لكنها اشبه الي كرة ثلج باردة متدحرجة من فوق قمة جبل تصدم كل من يعترض طريقها أيا كان.
بحثت طويلاُ بين المشاهد عن أي موقف يمكن تصنيف الفيلم من خلاله علي انه فيلماُ رومانسياٌ فلم أجد سوي الأنانية والبرود واللامبالاة من جانب البطلة والسلبية والغباء من جانب البطل الذي تتواصل عاطفته في الاندفاع نحو الفتاة التي تحبطة دائماً وتحاول الابتعاد عنه , يرسل سامح رسالة غرامية لشهد تحمل اجمل معاني الرومانسية فترد عليه ( طظ فيك ) ويقوم بمواعدتها امام السينما فتتخلي عن الموعد , يحاول تقبيلها لكنها تستاء منه وتنصرف عنه ليس خجلاُ فهي لم تبدوا فتاة خجولة علي الاطلاق بل استنفار وربما اشمئزاز منه , وتنساق وراء رغباتها بدخول عالم الازياء الذي يرفضة سامح فتضرب به وبحديثه عرض الحائط , وتعاود التردد عليه والاحتماء به وتقبل في الليل الزواج به وتهرب منه في الصباح وتصارحه انها لا تريد الزواج من احد لكرهها الغير منطقي لعلاقة ابيها مع امها ولكرهها ايضاُ للاثنين معا , يف ولماذا ومتي كانت تكره ابيها , سؤال لم تجيب عليه مؤلفة الفيلم نهائياُ , فهل هذه حدود الرومانسية التي اجتاحت إحساس الشباب من الجيل الجديد حسب وجهة نظر مؤلفة الفيلم ؟ فكيف يكون الكره إذاُ ؟
لم يكن خلل السيناريو وحده هو العامل الاساسي في شتات الصورة ولكن نضف اليه تأدية الممثلين أمام الكاميرا التي بدا علي وجههم الرهبة الكبيرة منها والتي لم يجففها المخرج بتوجيه وجوه الممثلين مطموسة الانفعال , ولا بمعادلة الالقاء الذي يخرج من افواههم وكأنهم يقراءون السيناريو علي الحضور من خلف الشاشة .
شاهدت من قبل فيماُ قصيراُ للمخرج الشاب كريم العدل كان عملاُ فنياُ محكم الصنع ينبأ بظهور مخرج موهوب في رؤيته رغم أن ميزانية انتاجة لا تضاهي الملايين التي صرفت علي هذا الفيلم الذي تعجل كريم العدل في تنفيذه , واضاع من خلاله كثيراُ من طاقته وحسن استقبال الجمهور لمخرج واعد يحتاج ان يبذل جهداُ اكبر ليكتسب خبرة بالممارسة والاحتكاك بالجيل السابق
.

0 comments:

Post a Comment