Friday, May 7, 2010

عروض ميته للمهرجان القومي السادس عشر للسينما المصرية


إنتهت فعاليات الدورة السادسة عشر للمهرجان القومي للسينما المصرية منذ أيام والذي عرض ضمن فعالياته 24 فيلماُ روائياُ طويلاُ و 42 فيلماً روائيا قصيراً بالأضافة الى 10 أفلام تسجيلية تزيد مدتها عن 15 دقيقة و 5 أفلام تسجيلية اقل من 15 دقيقة و 28 فيلماً للرسوم المتحركة , تنافست جميعها علي جوائز المهرجان في الأقسام المختلفة وعرضت علي الجمهور مجاناُ علي مدار ثمانية أيام , حصل خلال مسابقتي الافلام الطويلة والقصيرة علي عدة جوائز منها جائزة احسن فيلم روائي طويل وكانت من نصيب فيلم واحد صفر بالمركز الاول وفيلم ولاد العم بالمركز الثاني والجائزة الثالثة من نصيب فيلم الفرح , كما حصلت الفنانة نيللي كريم علي شهادة تقديرية عن دورها المتميز في فيلم واحد صفر وحصلت المخرجة كاملة ابو ذكري جائزة احسن مخرجة عن فيلمها واحد صفر وايضا كاتبة الفيلم مريم ناعوم جائزة احسن سيناريو , حيث حصل فيلم واحد صفر علي نصيب الاسد من جوائز هذه الدورة وحصلت الممثلة الشابة دنيا سمير غانم علي جائزة احسن ممثلة والفنان خالد الصاوي جائزة احسن ممثل عن فيلم الفرح وعمرو واكد جائزة احسن ممثل مساعد عن فيلم ابراهيم الابيض , أما فئة الافلام القصيرة والتسجيلية , فحصل علي الجائزة الاولي المخرج محمد ممدوح عن فيلمه أقل من ساعة , أما جائزة لجنة التحكيم فحصلت عليها المخرجة مروة زين عن فيلم لعبة ,و جائزة أفضل فيلم تسجيلي ذهبت للمخرجة تهاني راشد عن فيلم جيران .


كرم المهرجان في هذه الدورة عدداً من السينمائيين المصرين والفنانين والنقاد منهم الفنان محمود حميدة و المخرج محمد كامل الأيوبي و الناقدة ماجدة موريس و الكاتب السينمائي بشير الديك و مدير التصوير الفنان الدكتور ماهر راضي , كما أصدر المهرجان كتاب خاص عن كل منهم يتناول سيرة حياته واسهاماتهم في اثراء الحركة السينمائية المصرية علي مدي سنوات طويلة.

إنطلقت فعاليات المهرجان دون حفل إفتتاح وقد الغي حفل الافتتاح للعام الثالث علي التوالي واكتفت ادارة المهرجان بإقامة حفل الختام وتوزيع الجوائز والتكريمات توفيراٌ للنفقات وقد بدا الحفل باهتاُ جدا يكاد يخلو من حضور صناع الفيلم والنجوم الا القليل منهم .

هذا هو المهرجان القومي الوحيد الذي يضم الإنتاج السينمائي القومي المصري علي مدار عام كامل أي ما يوازي نمط مهرجان الاوسكار الامريكي وهو ايضا مهرجان قومي للسينما الامريكية , لكن الفرق بين أوسكار هوليود الشرق واوسكارهم في هوليود الغرب كبير جداُ نحتاج لأكثر من مائة عام قادمة لاستيعاب هذه الفارق الشاسع بينهما .

يقدم المهرجان القومي عروض مفت

وحه للجميع وعادة ما يكون الجذب الجماهيري علي فئه الأفلام الروائية الطويلة أضعاف ما تشهده عروض الأفلام الروائية القصيرة والتسجيلية , فالجمهور مازال لا يستوعب ماهية وأهمية الفيلم القصير والقيمة الفنية التي من الممكن أن يقدمها من خلال هذه الدقائق القليلة علي الشاشة , ومن الواضح ان عدوي هذا الإحساس إنتقلت إلي منظمي المهرجان اللذين عمدوا تنظيم عروض الأفلام القصيرة والتسجيلية في موعد ميت بالنسبة للحضور وهو العاشرة صباحاُ , فكان الإقبال علي مشاهدة نوع من الأفلام هي في الأصل قليلة الإنتشار بين الجمهور العادي معاناه عند البعض وخصوصاُ صناع الأفلام من الشباب اللذين مازالوا في مرحلة الدراسة ويصعب عليهم حضور عروض المهرجان والمشاركة في الندوات التي تخص افلامهم وافلام اصدقائهم في مثل هذا الموعد , ويمتد تهميش دور الفيلم القصير من قلب صناعه أنفسهم مما سنحت لهم الفرصة حضور الندوات ومناقشة الجمهور والنقاد ,

فمعظمهم أجمع أن تجاربهم القصيرة هذه ما هي الا محاولات اوليه ومحطة تسبق دائماُ الاقدام علي إخراج الفيلم الروائي الطويل , وبعضهم أدار ظهرة لمناقشات الجمهور واراء النقاد وإعتبرها وجهات نظر فردية في تلقي العمل الفني لا قيمة لمناقشتها طالما المخرج علي إقتناع تام بفيلمه , وليحتفظ الجمهور والنقاد برأيهم لأنفسهم .


هذه كانت السمه الغالبة علي معظم الندوات التي أقيمت بعد عروض الأفلام القصيرة في المهرجان القومي للسينما هذا العام , والملفت للنظر صغر سن المخرجين ومنهم من يقدم تجربته الأولي أو مشاريع تخرجهم او اعمال ناتجه عن ورشة عمل سينمائية , أي أنها عادة تحمل أخطاء التجربة الأولي وتظل أعمالا خاضعة للمناقشة وطرح الرأي والرأي الأخر , اما الجمهور فقد أخذ جرعة لا بأس بها من الصدمات المتتالية للمستوي الفني المتواضع جداُ الذي بدت عليه معظم المشاركات في فئه الافلام القصيرة والتسجيلية بإستثناء بعض التجارب التي غسلت عين المشاهد بجودة اللغة السينمائية العالية وثبات الاداء التمثيلي وبراعة المخرجين في التعبير مباشرة عن أفكارهم وابتكار

أشكال متجددة ومختلفه للفيلم القصير , كانت قله من هذه الانماط عزاء للبعض , لكن بما ان المهرجان قومي وليست به لجنة مشاهدة , فهل يحق لإدارته افساد الذوق العام وتشويه قيمة الفيلم القصير بالعشوائية في اختيار بعض المشاركات التي اقل ما يقال عنها أنها ( تهريج ) وليست أفلام , المهرجان قومي اي شعبي بالدرجة الاولي والافلام القصيرة هي في الاصل محدودة المشاهدة اي سينما فئات وليست سينما جماهيرية , هذه العشوائية في الاختيار أصبحت من أحد أهم العناصر المدمرة لترويج ثقافة الفيلم القصير عند المشاهد العادي الغير متخصص او الغير نخبوي وهو العنصر الاول الذي يزعم بعض مخرجي الافلام القصيرة أنه همهم الشاغل عند صناعة الفيلم القصير بطرح همومه ومشاكله التي يعرض عن مناقشتها احياناُ الافلام التجارية .

الأفلام الروائية الطويلة تناولنا العديد منها بالعرض عقب طرحها في السينما العام الماضي لذلك يعتبر المهرجان فرصة حقيقية لمتابعة أكبر كم من الانتاج القصير والتسجيلي علي مدار عام مضي , لن يسعني الحديث عن المشاركات المتميزة جميعها في فئة الافلام القصيرة والتسجيلية لكن استوقفني عدة تجارب منها حملت رؤية فنية مبتكرة وحس فني راقي جداٌ وموضوعات انسانية شديدة الخصوصية , منها فيلم ربيع 89 للمخرجة الشابة ايتين أمين وهو العمل الثاني لها بعد فيلمها الأول ( راجلها ) , براءة ومشاغبة فترة المراهقة بين الاصدقاء ومشاعر من الزمن الجميل اطلت علينا من نافذة أحلام كل من سارة وكاميليا , فتاتين بعمر المراهقة يعودا بنا عشرون عاماُ للوراء أواخر فترة الثمانينات , برعت المخرجة في رسم الجو العام لهذه الفترة من خلال كل أدوات الفيلم من ملابس وديكور وتفاصيل شديدة الدقة جعلتنا نسترجع عبق هذه الايام و نقلنتا اليها من خلال ذكريات الفتاتين وهما زميلتين دراسة تتسابق كل منهن لتحيا واحدة من قصص الحب التي تتصفحها كل يوم في الروايات الرومانسية وتشاهدها مجسدة في الافلام السينمائية , فتحاول سارة اثارة مشاعر كاميليا وتجد متعه كبيرة في رسم ملامح الحزن علي وجه صديقتها وهي تسرد لها تفاصيل علاقتها مع حبيبها التي نكتشف لاحقاٌ انه مجرد أمل مازالت تسعي

للحصول عليه , لكن تسبقها اليه كاميليا وهي الأكثر جرأه من صديقتها فتنتزع الحبيب من خيال سارة وتهبط به علي أرض الواقع كي تكتشف جمال الاحساس الاول التي طالما رسمته في خيالها وظلت تبحث عنه متجسداُ في فارس الاحلام الذي يخذل إحساسها عندما تهبط به علي ارض الواقع و تكتشف ان مشاعرها تسير نحوه في اتجاه اخر , لوحة فنية هادئه ومشاعر فطرية لفتاتين يكتشفون مسار مشاعرهم , فضول التجربة الاولي والخجل الطفولي ومرحلة الانتقال بين الخيال والواقع والصدام الاول بقسوة الحياة جميعها مراحل متدرجة في حياة الانسان سواء كان رجل او امراه ورغم قسوة الاكتشاف الاول , نظل نحتفظ به في مكان ما بالذاكرة .


أما الفيلم القصير ظل راجل للمخرج تامر مهدي , فهو تجربة مبتكرة خلاف ما شاهدناه في عروض الافلام القصيرة داخل المهرجان هذا العام , الفيلم يميل الي التجريد ويقدم لنا موقف موضوعي في مناظرة بين المرأه والرجل , ففي هذا الفيلم يعصب التحيز لعنصر علي حساب الاخر فالصورة وحدها كفيله بنقل مضمون الفيلم , استخدمت فيها الظلال واللونين الابيض والاسود للتعبير عن تكامل دور المراه و الرجل , فالاثنين مختلفين ولا يمكن اغفال دور كل منهما في حياة الاخر ويستحيل المقارنة بين أفضلية كل منهم لأن الاثنين يمثلون جانب واحد وهو تكامل الانسان , عرض المخرج سيمفونية مرئيه في خلال ثمان دقائق هي مدة عرض الفيلم , جمع فيها بين أشكال الفنون المختلفة , الحركة الاوبرالية والاداء الجسدي التعبيري للممثلين وانسيابية الاحداث والجدية في الاداء الصامت للجميع , طبع علي الفيلم روح الاداء التعبيري الاوبيرالي اما تكوين الكادرات واستخدام الظلال واللعب بالاضاءة جعلت كل مشهد لوحة تشكيلية عميقة الاحساس يمكن أن تنفصل عن السياق العام لتكون وحدها في جانب ما من الذاكرة , كم جمع الفيلم بين انتقالات كادرات السينما داخل وخارج المكان والزمان ولكن باستخدام اسلوب وخفة الحركة المسرحية , يستعرض الفيلم بإسلوب الحكي ( الراوي ) وبحركات الممثلين الجسدية أن لا وجود للرجل دون وجود للمرأه والعكس .

جاءت بعض الافلام في فئة الافلام القصيرة بموضوعات تجتمع فكرتها علي قضية مشتركة بإختلاف تناولها , من هذه الافلام التي عرضت موضوع الضغط الاجتماعي علي الابناء ونتائج التربية القاسية للبنت والمتسيبة للولد , فيلم قرار ازالة للمخرج محسن عبد الغني , وفيلم أحمر باهت للمخرج محمد حماد وهما افلام روائية قصيرة , وفيلم مش عارف للمخرج أحمد النجار وهو تسجيلي قصير , الفيلمان الروائيان يجسدان الرهبة الاجتماعية التي تترسب في تصرفات بعض البنات نتيجة التربية المغلقة التي تدعي المحافظة من قبل الاهل , ومحاولة سرقة تلك الفتيات لحقهن المشروع في ممارسة طقوس انوثتهن البسيطة , لكنها رغم بساطتها تعطيهم إحساس مختلف بالحياة , لكن الخوف المختزل لديهن من تربية الاهل العمياء يسيطر علي قدرتهن ويقهر رغباتهن المشروعة , علي عكس ذلك جاء الفيلم التسجيلي مش عارف وهو يعكس التربية المتسيبة غياب دور الأهل من حياة بعض الشباب الذكور داخل المجتمع المصري وخصوصاُ من الطبقة الفوق متوسطة , فالافلام الثلاثة ذات مغزي مشابه وهو نتاج مفهوم التربية المتعارف عليه .

عرض ايضا ضمن هذه الفئه بعض التجارب القصيرة التي حملت طابع مختلف للفيلم الروائي والتي مزجت ما بين الروائي وافلام التحريك , من هذه الافلام فيلم عاطف للمخرج عماد ماهر وفيلم تراهن للمخرج مارك لطفي , وفيلم زياد سعيد فوزي للمخرج عصام إسماعيل , وهو اسلوب ميز هذه الاعمال عن غيره وأضفي عليها حساُ فكاهياُ وخيالياً , ومن ضمن الافلام ذات المعني المشترك فيلمي فرشة وألوان للمخرج الزمخشري عبد الله وفيلم 8 صباحاُ للمخرج يحي خليدي , يقدم الفيلمان رحلة الانسان في البحث عن مشاعر الحب , الحب المطلق , حب الحياة بشكل عام ومحاولة تجميل الواقع ومعايشته بكل ما فيه من مأسي .

من ضمن العروض التسجيلية الخاصة جدا والتي شهدت حضور كبير من الجمهور والنقاد , الفيلم التسجيلي الطويل جيران للمخرجة المصرية تهاني راشد , الفيلم الذي تزيد مدته عن المائة دقيقة جاء في إطار كلاسيكي يستعرض فترة زمنية تاريخية من حياة أحد أحياء القاهرة القديمة وهو حي جاردن سيتي بكل ما يحمله هذا الحي من عبق تاريخي وذكريات سياسية شهدها هذا الحي الذي يجمع مقر معظم سفارات العالم سيطرة وقوة علي المنطقة العربية سواء في الماضي حيث فترة الاحتلال الانجليزي لمصر وحتي الحاضر حيث السيطرة الامريكية علي المنطقة العربية , فمن خلال روايات ساكني حي جاردة سيتي وعلي إختلاف مذاهبهم وإنتمائتهم السياسية والفكرية , الا أن المخرجة تناولت بشكل موضوعي جميع الاراء بنفس القدر من الاهمية والمساحة , وأعطت كل شخصية منهم وجهة نظرها الاجتماعية من خلال تجاربهم ومعايشتهم الذاتية لهذه الفترة الزمنية الحرجة التي مرت علي تاريخ الشعب المصري .

رغم أن الافلام التي تستحق التقدير في هذه الدورة من المهرجان قليلة الا اننا إستمتعنا بمشاهدتها وبمناقشة صناعها الواعين بدور النقد في خلق عمل فني راقي يحترم ثقافة المشاهد وتذوقه لفن السينما علي أمل أن نلقي في الدورات القادمة اضعاف من هذه الأعمال وإختفاء اعمال أخري .

0 comments:

Post a Comment