Sunday, July 4, 2010

تلك الايام


بدأ سباق عرض أفلام الموسم السينمائي الصيفي لهذا العام منتصف الشهر الماضي بطرح ثلاثة أفلام جديدة في دور العرض المصرية وهي عصافير النيل وهليوبوليس وتلك الايام , وتبعها بعد عدة ايام فيلم نور عيني وعسل اسود والديلر , ليبدأ بذلك صراع قوي بين المنتجين وبين نجوم الموسم , رغم ان النتائج يمكن تخمينها مسبقا من خلال شباك التذاكر الذي بدا خاويا من الجمهور علي بعض الافلام , وافلام اخري الغي عرضها في عدة حفلات لعدم اقبال الجمهور علي مشاهدتها وكان ابرزها فيلم هليوبوليس الذي الغيت عدة حفلات له واضطر اصحاب دور العرض لازاحته الي موعد حفلة العاشرة صباحا ومنتصف الليل , في المقابل حقق فيلم احمد حلمي الجديد في اول اسبوع عرضه اصداء نجاح واسعة علي المستوي الجماهيري والنقدي , من ضمن افلام بداية هذا الموسم السينمائي كان فيلم تلك الايام وهو التجربة الاولي لمخرجة احمد غانم , ابن الكاتب الروائي فتحي غانم , والفيلم هو معالجة سينمائية لرواية فتحي غانم الادبية بنفس الاسم كتب لها السيناريو والحوار السيناريست علا عز الدين بمشاركة المخرج احمد غانم , يعود بنا الفيلم من خلال تكثيف مشاهد الفلاش باك الي ذكريات كل شخصية في الفيلم , ومدي تأثير هذا الماضي علي حاضرها ومستقبلها , وكل شخصية هي في الواقع تمثل نموذج مصغر لشرائح مختلفة من المجتمع المصري .علي النجار ( أحمد الفيشاوي ) , ضابط الشرطة المتقاعد تراوده ذكريات اليمه مرتبطة بفترة ماضية من حياته تخلي فيها عن مشاعره وعن اختياراته بسبب طبيعة عمله في جهاز الامن الذي حوله الي شيء أشبه بالاله ينفذ الأوامر بصرامه منزوعة المشاعر , يقوم علي مع بعض زملائه بمطاردة مجموعة مما وصفهم بالارهابيين واثناء عملية المداهمة يقتل احد الارهابيين صديق علي المقرب , فتتحول عدوانيته الشرفية الي عدوانية ثأريه ويقوم بقتل هذا الارهابي ليس بدافع الواجب الوطني ولكن بدافع الثأر لصديقة , فيشعر علي أنه تحول الي قاتل مارس فعل القتل العمد , فيختار بعد ذلك الابتعاد عن الحياة الدنيوية والانعزال في عالم اخر اكثر هدوء وسلام ويسعي للتكفير عن هذا الاثم بالتوبة والاتجاه الي الله , ويتقابل علي مع سالم عبيد ( محمود حميدة ) دكتور السياسة الجامعي والمفكر الكبير صاحب المؤلفات السياسية البارزة في عالم السياسة , فيستعين سالم بعلي ليروي له تجربته في مطاردة الارهابيين ومن خلال معايشته لهذه النوعية العدوانية يقوم سالم باستكمال احد اهم ابحاثة السياسية حول ظاهرة الارهاب في مصر , ولكن علي الذي لم نري اي تفاعل بينه وبين سالم عبيد لا يتمكن من استحضار التجربة الا وهي مشبعة بالالم , فينصرف عن الادلاء بشهادته ويفضل الانغماس اكثر في نسيان الماضي , في المقابل نري شخصية نورا ( ليلي سالم ) زوجة سالم عبيد , هه السيدة المستهتره الغائبة دائما عن الحياة بفعل تناولها للكحول ويأسها من اصلاح حياتها التي باعتها لاستاذها الجامعي مقابل ان تحيا هي واهلها حياة مادية ثرية , نورا التي استغنت عن الحب وقبلت بالزواج من سالم عبيد الذي يكبرها بسنوات عديدة شخصية ضائعة وتائهة تبحث دائما عما ينقصها في الحياة وهو الحب والاهتمام التي تجده سريعا في تطور علاقتها بعلي يمنحها القوة اكثر من اي وقت مضي علي التخلي عن زهو الحياة الفخمة والمضي للبدء من جديد مع من تحب , ولكن زوجها لا يعطيها الفرصة للتخلي عنه ليس بدافع الحب ولكن بدافع الوجاهة الاجتماعية بين اصدقائه فرفض ان تتركه بسبب رجل اخر , فيحاول اتهامها بالجنون ومحاولة الوشاية لقتلها , فهي تبدو كالدمية تتلقي رد افعال الشخصيات المحيطة باستسلام دون المشاركة فيها وبمنتهي السلبية والبرود الادمي وقد جسدت الوجه الجديد ليلي سالم في اولي بطولتها السينمائية شخصية نورا بانفعال املس هاديء مبالغ فيه وصل الي حد الملل , فلم يبدوا عليها اي انفعال سوي البرود الامتناهي ولا تصاعد الاحساس في مواقف تتباين فيها ردود أفعال الشخصية من خلال تطور الاحداث , اما شخصية علي النجار فقد اداها احمد الفيشاوي بشيء من الصرامة التي لا تتماشي مع مظهره ولا تكوينه مما أعطي الشخصية شيء من الكوميديا والسخرية عند مشاهدتها وخصوصا في اسلوب حديثة ونبرات صوته الذي تقمص فيها روح شخصية الممثل الراحل زكي رستم , اما سالم عبيد هذا الرجل الانتهازي الذي تخلي عن كل مبادئه مقابل حصوله علي مكانة اجتماعية مرموقة ورصيد كبير في عدة بنوك , بعدما تعرض في شبابه لعدة اعتقالات سياسية خرج منها انسان جديد حليف للسلطة , ايقن انها الجانب الاقوي والمؤثر والاسرع لتحقيق حلمه , باع القضية ووشي باصدقائه وتخلي عن افكاره واصبح من الشخصيات المرموقة في المجتمع والاهم من ذلك انه فقد احترام طلابه له وفقد هيبته وتأثيره علي الاجيال الجديدة التي جسدها لنا المخرج في مشهدين داخل قاعة المحاضرات وخارجها حيث سقط الاستاذ بعد مناقشة عقيمة مع طلابه اللذين عرضوا ارائهم بشكل واعي و اكثر فاعليه وصدق صدم سالم عبيد الذي لم يجد له مخرج من هذا الخندق تالا بادعاء المرض , فهذا هو جيل البناء الحر الذي لا يمكن مصادرة افكارهم ولا الاستهزاء برغباتهم بدعوي انهم مازالوا يتلقون العلم ممن هم لا يتمتعون بصفة الامانة في الطرح , سقطت صفة الاحترام بين سالم عبيد وبين طلابه وسقطت ايضا عنه المصداقية والثقه , وهذه النماذج من المتملقين نجدها كثيرا وفي اماكن عديدة ولكن اخطرهم هو من يملتلك سلطة المتاجرة بالعلم وخصوصا اذا كان مدون للتاريخ ومعلم للاجيال التي تثق بما يقال لها علي لسان رسول العلم وهو المعلم .


يدخل علي النجار في حياة الاستاذ وزوجته ليكشف عن حقيقة خداع كل منهم للاخر دون ان يدرك هو , فالزوجة نورا وجدت في علاقتها بعلي خيط امل ونور يربطها من جديد بالحياة من خلال تجربة علي الذي تحول من ضابط يقتل ويطارد الارهاب الي شخص هاديء مسالم يسعي للعزلة والابتعاد عن الناس , تحاول هي ايضا التخلص من رغباتها الملحة للحياة الزاهية والمضي معه في حياة اكثر بساطة وحب وامان , فيغير علي حياتها دون ان يشعر وتغير هي حياته وتجذبه من عزلته نحو علاقة تتطور سريعا الي ارتباط نفسي واحتياج عاطفي يفقده كل منهم في حياته , اما سالم فدائما يحاول المحافظة علي مظهره الاجتماعي دون الانتباه للمشاعر الانسانسية , والتي لا نشعر بها الا في علاقته مع والدته التي تعامله كالطفل , ولا يكمن تخلي سالم عن مشاعره فقط في علاقته الفاترة بزوجته ولكن نكتشف من خلال الاحداث انه تخلي عن تربية ابنه من الزوجة الامريكية لسنوات طويلة لم يتواصل معه سوي بارسال نفقاته الخاصة , يكشف لنا الفيلم نقطة غاية الاهمية وهي تخلي الانسان عن مشاعرة مقابل عدة اشياء , اولها الانخراط في العمل السياسي الذي لا يعرف للمشاعر طريق وجسدها سالم عبيد ببراعة خلال الاحداث , والبحث عن المال دون اعمال الاحساس وتمثلت في شخصية نورا الزوجة , اما شخصية علي فكان تخليه عن مشاعره مقابل واجبه في الدفاع عن الغير بقتل الغير , ولكن النهاية لم تكن كما توقعها كل منهم , في النهاية الزوجة تتمرد علي اختياراتها وتعيد حسابتها وتقرر الاستغناء عن المال في سبيل عاطفتها مع علي , اما سالم عبيد فلم يجد سبيل لأفعاله سوي الاستسلام لشيطانه اكثر واكثر وينهي حياته بيده , اما علي فيحاول ان يبدأ حياته من جديد متخليا عن احساس الذنب الذي رافقه لسنوات .

العمل الاول لأي مخرج دائما ما يحاول من خلاله رسم طريق لوجهة نظرة وارساء مظهر معين لاسلوبه القادم , من خلال هذا الفيلم الذي قدمه المخرج احمد غانم عن رواية والده , حاول ان يجتهد قدر المستطاع ليظهر العمل في صورة تليق التاريخ الادبي الطويل لوالده , وبتقديم نفسه للمره الاولي كمخرج محترف , ولكن المجهود الذي بذله المخرج في اظهار صورة الفيلم بشكل راقي ظهر في جوانب ضئيلة جدا دون سواها , فعنصر التمثيل في الفيلم كان أضعف من قدرات كل منهم علي الاداء , محمود حميدة هذا الفنان صاحب التاريخ الطويل في السينما لم يختلف كثيرا عن ادائه هذا الوجه الغامض المبتسم دائما , اما احمد الفيشاوي فلم يقدم اي جديد في ادائه الذي تشابه كثيرا مع ادائه شخصية في فيلم زي النهاردة بل وقد تطابق الاداء بين الشخصيتين , اما الوجه الجديد ليلي سالم فكان من الممكن ان يكون هذا الفيلم هو نقطة انطلاقة حقيقية لها في السينما خصوصا وان وجهها علي الشاشة يمكن تطويعة بسهولة في يد اي مخرج , لكن ادائها الاملس الخالي من اي انفعال كان نقطة تراجع كبيرة في كتابة اسمها في صفوف النجوم القادمة , نضف الي ذلك السيناريو الذي أضعف من بنية العمل بالكامل , فلم يقدم لنا السيناريو التتابع المنطقي لعدة احداث جمعت بين سالم وعلي , فالمشكلة الكبري التي تكمن في تحويل الاعمال الادبية الي افلام سينمائية هي مدي المحافظة علي استمرار نجاح هذا الاصل , وهل قدم الفيلم الرواية بنفس القيمة التي هي عليها في شكلها الادبي ام انقص من قدرها عند تحويلها الي فيلم سينمائي .
البطل الحقيقي في هذا الفيلم هي الاضاءة التي لعبت دور بارز في نقل احساس الشخصيات التي قصر في نقلها السيناريو , فمن خلال استخدام الصورة القاتمة بشكل متتالي وعبثية مدير الاضاءة باضفاء نوع من الغموض علي وجه كل شخصية باظهارها أنصاف الحقائق وكتمان النصف الاخر , فالفيلم مجملا يمثل عدة تجارب اولي في الاخراج والتمثيل وان لم يكن بالقيمة الفنية العالية لكنه يعتبر تجربة اولية يمكن تحسين مستواها فيما هو قادم .

0 comments:

Post a Comment