Monday, October 18, 2010

الدورة الرابعة عشر لمهرجان الاسماعيلية الدولي
للأفلام التسجيلية والقصيرة وافلام التحريك والتجريبية



في مثل هذا الوقت من كل عام ينتظر صناع السينما الشباب في مصر والعالم اقامة مهرجان الاسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة والتجريبية وأفلام التحريك , هذا المهرجان الذي يعد المهرجان الوحيد في الشرق الأوسط الذي تجمع مسابقتة الرسمية هذه النوعيات المختلفة من الأفلام معاَ , والتي غالباً ما تحظي بمتابعة كثيفه عند عرضها الي جانب الافلام الروائية الطويلة في بعض المهرجانات السينمائية الدولية , ومنها مهرجان القاهرة الذي خصص منذ سنوات قليلة قسم خاص لعروض أفلام سينما الديجيتال والتي يقل الاقبال علي مشاهدة عروضها مقارنة بحضور الأفلام الروائية الطويلة .

يقام المهرجان في مدينة الاسماعيلية التي تشترك مع وزارة الثقافة والمركز القومي للسينما في اقامة وتنظيم عروض المهرجان كل عام , والتي لا تقتصر علي العرض العام الذي يقام في قصر ثقافة الاسماعيلية فقط , بل تمتد العروض لكل المدن المجاورة لمدينة الاسماعيلية , وتقام العروض في اماكن عديدة متنوعة , منها المقاهي والمدارس والنوادي والمراكز الثقافية المختلفة , هذا التقليد السنوي الذي بدأه مهرجان الاسماعيلية واستمر علي مدار الدورات السابقة وحتي هذه الدورة , وربما هذا تقليد يميز مهرجان الاسماعيلية عن غيره من مهرجانات السينما التسجيلية والقصيرة حيث تصل العروض الي الناس بإختلاف طبقاتهم وثقافتهم , حيث تمكننا قليلا من رصد مدي إستقبال بعض الشرائح التي يقل لديها الوعي العام بطبيعة واهمية الافلام التسجيلية والقصيرة لهذه العروض التي تقريبا لا يشاهدوها علي مدار العام الا من خلال عروض المهرجان , هذه العروض التي يمكن الاستدلال منها علي ان هناك جمهور يمكنه تذوق هذه النوعيات من الافلام مثلما يتذوق نوعيات الافلام التجارية, والتي تقدمها بعض شركات الانتاج بهدف الربح التجاري في المقابل تخشي هذه الشركات الالتفات لتبني النوعيات الاخري التي
لا تمثل ارباح كبيرة منها , كالسينما التسجيلية والتجريبية والقصيرة وافلام التحريك , ولكن بعد الاننجاز الذي حققه مهرجان الاسماعيلية بنشر هذا النوع من الافلام, وبعد استقبال المشاهدين لها يمكن التنبؤ باجتياز الافلام القصيرة والتسجيلية لحاجز تحقيق الربح اذا ما خصصت لها دور العرض مكانا ولو محدودا بين عروض الافلام التجارية .
هذه هي المره الأولي التي أحضر فيها مهرجان الاسماعيلية الدولي للافلام التسجيلية والقصيرة وأفلام التحريك والتجريبية , ولكني شاهدت من قبل جزءا كبيرا من العروض المميزة للدورة السابقة من المهرجان عند إعادة عرضها في مركز الابداع بالقاهرة , وكانت حقاً مشاركات مميزة خصوصا في فئة أفلام التحريك التي لفتت انتباه جميع الحضور الي جانب بعض مشاركات الافلام التسجيلية الدولية وقليل من الافلام الروائية , اما المشاركات المصرية فأغلبها نشاهده علي مدار العام في أماكن عرض كثيرة بالاضافة للمهرجان القومي الذي يعرض لنا ما تم انتاجه من الافلام المصرية القصيرة والتسجيلية والتحريك بمختلف مستوياتها , اذا فحضور مهرجان الاسماعيلية يعني لي بالمقام الاول متابعة الاعمال الدولية التي لن تشاهد الا عبر ايام المهرجان الثمانية .

الأفلام المشاركة في هذه الدورة

يشارك في الاقسام الاربعة للمهرجان ثمانية وسبعون فيلما من خمسة وثلاثون دولة منهم ,من لبنان والاردن ومصر وايطاليا والصين وبولندا والمكسيك وكولومبيا وفلسطين والتشيك والسويد وكندا وسريلانكا وبلجيكا والارجنتين وايران التي لها مشاركتين في هذا العام الاولى هي فيلم تسجيلي طويل بعنوان مطاردة تشي والثانية فيلم تجريبي بعنوان الريح تعصف بك بعيداً , هذا الي جانب مشاركات كل من اسبانيا التي تشارك بسبعة أعمال متنوعة بين الفيلم التسجيلي والروائي , اما فرنسا فلها نصيب الاسد حيث انها تشارك بما يزيد عن عشرة افلام متنوعة ايضا بين التسجيلي والروائي والتحريك , ونضف الي جانب مشاركات اسبانيا وفرنسا مشاركات من كرواتيا التي حظيت مشاركاتها بإعجاب الجميع , فـمشاركات كرواتيا وفرنسا واسبانيا , كانت أكثر المشاركات عدداً وقيمة وتميز بين الاعمال الأخري , اما المشاركات المصرية فقد بلغت ايضا عشرة مشاركات بخلاف العام الماضي الذي شهد مشاركتين فقط , وتميزت المشاركات المصرية بتفاوت مستواها, ولكن مقارنة بالمشاركات الاخري ربما تأتي في المرتبة الثالثة بعد كرواتيا وفرنسا .

فيلمان من كرواتيا يرتبط كل منهما بالاخر رغم ان لكل منهما مخرج مختلف وفكرة مختلفة , لكنهما يقدمان تيمة مشتركة وهي الخديعة والعنف التي تنتج عن حالة الفقر التي يقع فيها الشباب , الفيلم الاول بعنوان شيطان من كراجويفاك للمخرجة إرينا سكوريتش , هذا الفيلم الذي يتماهى كثيراً مع إحدي صور الشارع المصري والذي ابهرتنا صورته لدرجة كسرت الحاجز بيننا وبين اللغة , فالفيلم صور في احدي الاسواق التي تبيع الاشياء القديمة ، شاب يحاول بيع سيارته القديمة ليحصل علي المال اللازم لعلاج والده , هذه السيارة هي من بقايا عهد الاشتراكية وتمثل احد الرموز الصناعية في مدينة كراجويفاك الصربية , والتي تحطمت اثناء الحرب , ويأتينا عبر الهاتف صوت والد الشاب الذي يغري المشتري بتاريخ وقيمة هذه السيارة التي تعد تراثا وميراثا وطنيا وبطريقة كوميدية يخدع الشاب المشتري و يبيع السيارة بثمن بخس ثم يختفي ويواجه المشتري مصيره مع تلك السيارة المتهالكة التي ما ان تسير لبضعة امتار حتى تتوقف ويضطر الشاري للرجوع الي الوراء لاسترجاع امواله من البائع لكنه يجد نفسه تحت وطأة خداع شخص اخر ليبيع له السيارة من جديد

اما الفيلم الاخر فهو بعنوان " ليست مسألة شخصية" , اخراج ماركو ساانتيك الفيلم يعرض وجها اخر للفقر والبطالة يوازي وجه الخداع او النصب الذي قدمته المخرجه بفيلمها السابق , وهو العنف بين الشباب و بينهم وبين المجتمع , من خلال قصة شابين صديقين اتفقا علي مهاجمة أحد البيوت ليلا لسرقة ما يمكن سرقته , يذهب احدهم بكل ثقة لخداع صاحب البيت الذي يفاجأ انه احد القساوسة , ليطلب منه المساعدة بعد ادعاءه بتعطل سيارته, فيحسن القس بهم الظن ويكرمهم في بيته لكن الشاب يهاجمه ويسرقه, اما صديقه الاخر فيرفض ايذاء القس وسرقته بعد ان اكرمه في بيته , فينشأ خلاف بين الصديقين ويتحول العنف في وجه الاخر الي عنف فيما بينهما ينتهي لصالح الصديق التائب والذي يجبر صديقه علي اعادة ما سرقه من القس , الذي نراه وقد تحول هو الاخر الي شخص عدواني لا يأمن لأحد .

ميزة هذين الفيلمين هو المستوي الفني اذ جمعا بين بساطة الانتاج وعمق الفكرة وجودة اختيار العناصر الفنية , ونستخلص منهما ايضا أن الموهبة بالدرجة الاولي هي الفيصل بين عمل جيد وعمل غير جيد وليس اعتماد المخرج علي الانتاج الضخم او الانتاج القليل

فيلم روائي قصير متميز آخر جاء من فرنسا بعنوان " رأسي المسكينة" , للمخرج أدريان بانيك , وهو عن شاب يصاب والده بمرض نفسي نتيجة فقدانه زوجتة , ويهدد الابن بالذهاب الي دار الرعاية لعدم أهلية الأب لتربيته , لكن الشاب الصغير يحاول بالقوة اعادة والده الي الحياة ولو للحظات قليلة تمكنه من الصمود امام المحقق النفسي حتي لا ينفصل كل منهما عن الاخر , الفكرة الانسانية والعلاقة الحميمية بين الولد الذي يعاني من ردود أفعال بسبب مرض والده وتصرفاته العصبية توجها المخرج باختياره المميز للممثلين , فالشاب الذي لعب دور الابن قدم اداء يفوق اداء المحترفين في الافلام الطويلة , ولفت النظر ايضا اداء طفلة لا يتجاوز عمرها السبع سنوات في فيلم فرنسي أخر بعنوان "الغائبة" , رغم انها التجربة الاولي لها امام الكاميرا كما ذكرت مخرجة الفيلم والعمل الاول ايضا للمخرجة وكاتبة السيناريو الفرنسية مود جارنييه التي هي في السابعة والعشرين من العمر والتي من دون شك في طريقها لتصبح مخرجة محترفة ناجحة رغم ان فيلمها يحمل بعض المشاكل في السيناريو لكن الصورة السينمائية و اداء الممثلين يكشف عن موهبة حقيقة لهذه المخرجة التي تقبلت راييء في سيناريو الفيلم بكل تحضر وأشارت لي انها التجربة الاولي لها في السيناريو والاخراج واعترفت انها ذهبت بعد هذا الفيلم لتتعلم اصول كتابة السيناريو , علي عكس ذلك تماماً جاء رد فعل احد (المخرجين) المصريين الشباب علي تعليق احد الحضور حول فيلمه فرد بكثير من الغرور واللامبالاة وهي اعراض تصيب بعض صانعي الافلام القصيرة الشباب بعد تقديم عملهم الاول او الثاني وكأنهم وصلوا لمرحلة الكمال التي لا تشوبها شائبة فلا يقبل من احد نقدا, رغم ان الفيلم لا يقدم ماهو مهم فنيا و دراميا , ولكن كما أشار المخرج ان الفكرة كانت في الاصل موقف شخصي تعرض لها فحوله الي فيلم سينمائي , ولكن السؤال : هل ان كل المواقف اليومية التي نتعرض لها تصلح ان تتحول الي حدث درامي داخل فيلم أم أنه الاستسهال الذي وصلنا اليه في مصر كل من لديه كاميرا وجهه تساعده في انتاج فيلم يتحول بالقوة الي مخرج لا يقبل المساس بأعماله ولا يقبل النقد ؟ .

ان من اهم ما يميز مهرجان الاسماعيلية , أن معظم مشاركاتة تأتي من الشباب الذين لا تتجاوز اعمارهم الثلاثين ولهذا فهو حقا مهرجان الشباب , , هذا لا يلغي وجود مشاركات مصرية متميزة وقادرة علي المنافسة الدولية وتشريف اسم مصر , الفيلم التسجيلي جيران للمخرجة تهاني راشد والفيلم التسجيلي قطار الحياة للمخرج شكري ذكري والفيلم الروائي لعبة للمخرجة مروة زين , والفيلم الروائي النشوة في نوفمبر للمخرجة عائدة الكاشف , هذه الاعمال يستند مخرجوها لقيم مختلفة هي التي تقودهم الي النجاح المتتالي , فالاراء المختلفة وان كانت ضد الفيلم لا تمثل عداء مع صاحب العمل ولكن تصنيف الفنان للأراء الهادمة والاراء الايجابية هي التي تميز مخرج يتجاوز اخطائه في العمل التالي وبين مخرج يصر علي الفشل المتكرر .

ومن فرنساايضا شاهدنا افلاما في فئة أفلام التحريك , فيلم وجه اسود وهو نتاج مشاركة أربعة من الشباب في كتابة السيناريو والتصوير والمونتاج والتحريك والاخراج , الفيلم يروي من خلال كوميديا مأساوية رحلة أحد الصيادين الي احدي الغابات الاستوائية لقتل قرد يعد مقدسا لدى احدى القبائل ,فيحاول احد الأشخاص تنبيه الصياد بخطورة قتله هذا القرد المقدس لكنه يصر علي مواصلة مطاردته ويقتله , ويدخلنا الفيلم في جو من الاساطير بعد ان يصاب هذا الصياد بلعنة القرد المقدس فيتحول الي قرد يخشي ان يصطاده صياد أخر, القصة وان بدت طريفة الي جانب الصورةالمميزة التي اهداها لنا صناع العمل الا ان القصة مباشرة وخصوصا في انتقاء اماكن التصوير :غابات ومستنقعات امريكا الاتينية ومنها ملامح الهندي الذي يمثل السكان الاصليين لهذه القارة في مقابل الصياد الأسباني, والمفارقة واضحة في اختيار العناصر التي تمثل وجهي النزاع , اي المعتدي والمعتدي عليه .

أفتتاح أمريكي للمهرجان

جاء فيلم افتتاح المهرجان بعنوان " فاوست الأمريكي : من كوندي الي نيو كوندي " وهو فيلم امريكي تسجيلي طويل للمخرج الانجليزي سيباستيان دوجارت , الفيلم يتناول مسيرة كوندليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية السابقة في عهد الرئيس الامريكي جورج بوش , منذ طفولتها وحتي فترة دخولها البيت الابيض , لتصبح أكثر سيدة نفوذا في العالم والتي كما صورها لنا الفيلم علي أنها العقل المدبر والدافع لكثير من (الجرائم السياسية) التي نفذت في عهد الرئيس الاسبق جورج بوش , والنتائج التي ارتبطت بهذه القرارات وأهمها شن الحرب الامريكية علي العراق عام 2003 , ثم فضائح القوات الامريكية المرتكبة في معتقل جوانتانمو وسجن ابو غريب والتي طرح الفيلم تساؤلات عديدة حولها وعن هوية مرتكبيها او بالتحديد مصدروا الاوامر وصناع القرارات , وأشار المخرج بوضوح بأصابع الاتهام الي سياسة الرئيس الاسبق جورج بوش والتي علي رأسها تأتي كونداليزا رايس , اختار المخرج للفيلم عنوان فاوست , هذا الانسان الذي عقد صفقة مع الشيطان بأن يمنحه روحه, فالشيطان الذي ظل يوسوس في الخفاء للرئيس أزاح المخرج في هذا الفيلم عنه الستار وكشف لأول مره عن تحول شخصية كونداليز رايس في مراحل حياتها المختلفة والتي بدأتها مبكراً بعد مرحلة الطفولة لتواصل مسيرتها نحو البيت الابيض متنقلة بين حزب وأخر , وبين جامعة واخري حتي نالت درجة الدكتوراه التي دعمتها فيما بعد لتعمل مع جورج بوش الاب كمستشاره له في الشؤون السوفيتية , ثم انتقلت للعمل مع جورج بوش الابن بعد ترشيح والده لها للعمل معه في الشؤون الخارجية , يستعرض الفيلم ببطء المراحل العمرية المختلفة لكونداليزا رايس , منذ ان كانت طفلة لا تقبل الفشل او التأخر في حياتها , ثم مرحلة دراستها الجامعية وانتقالها المفاجيء الي واشنطن الذي جعلها تترك خطيبها من أجل مواصلة الحياة السياسية , ثم يتابع المخرج بدقة وبسرد تسلسلي للتواريخ التي أثرت فيها رايس بقراراتها وطموحها غير المحدود علي قرارات الرئيس الامريكي , واستنادا لشهادات اصدقاء وزملاء عملوا معها في الجامعة وفي الاحزاب المختلفة التي التحقت بها رايس في بداية حياتها , أجمعوا علي أن الشخصية التي يرونها الان في رايس مناقضة للشخصية التي تعايشوا معها لسنوات طويلة , ثم يتابع المخرج إدانة صريحة ومباشرة لسياسة وزيرة الخارجية الامريكية السابقة اثناء فترة الحرب الامريكية علي العراق , ويسترسل مقدما قائمة من الاتهامات لتشمل الشؤون الداخلية لأمريكا , والقضايا التي كانت رايس تحرص في السابق علي تبنيها , ثم أصبحت تتنصل عنها , ويختتم المخرج فيلمة بمشهد للرئيس الحالي اوباما في احدي خطاباته السياسية التي دعا فيها الي النظر للمستقبل وترك الماضي يمضي بما فيه من مأسي

0 comments:

Post a Comment