فكرة رمزية مقبولة رغم إستهلاكها ورغم المباشرة في استبدال العناصر البشرية بهياكل خيالات المأته , وقضية سياسية ثرية جديرة بالمناقشة رغم تشابهها مع أعمال كثيرة قدمت من قبل سواء أعمال ايرانية او عربية , وصورة تجريدية للمشكلة التي عاني منها أكراد العراق في ظل الحكم الصدامي , ولكن أين الفيلم ؟
حي خيالات المأتة , هي المشاركة الثانية التي تمثل العراق في المسابقة العربية لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي هذا العام , الي جانب فيلم إبن بابل للمخرج محمد الدراجي , وهو مثل فيلم ابن بابل ناطق بالكردية , ويتعرض أيضا لمعاناة الاكراد ايام الحكم الصدامي ولكن الفكرة والمستوي الفني بين العملين تفصلهما مسافة شاسعة تفصل لصالح إبن بابل بالطبع
حي خيالات المأته للمخرج حسن علي مأخوذ عن رواية للكاتب الكردستاني المعروف "شيرزاد حسن" كتبها في أواخر الثمانينات إبان الحرب العراقية الايرانية وذلك عند رؤيته لآلاف الجثث على الحدود تأكلها الغربان , والفيلم نفسه يبدأ بمشهد قتل أحد المجندين العراقيين لزميله بعد إتهامة بالخيانة , ومن ثم تلتهم الغربان جثته ,ولم يفصح الفيلم بشكل صريح , ان كان هذا الجندي المقتول من كردستان أم من أي منطقة أخري من مناطق العراق , ولكن ما يطرحه علينا الفيلم هو قتل أحد الضباط للجندي في منطقة صحراوية تخلو من أي محاكمات عسكرية او اي دفاع عن هذا الذنب الذي قد يكون ارتكبه هذا الجندي ام لا , لكن ما نراه هو قرار فردي دفع ثمنه هذا المجند الذي سرعان ما تلتهم الغربان جثته وسط الصحراء , وتظل الغربان تطير وتحلق فوق احدي الاراضي الزراعية التي يقوم أحد الكردستانيين بزراعتها لكن هجوم الغربان المتتالي يفقده محصوله ويفقده عقله رغم ان الارض يحرسها عدد كبير من " خيالات المأته " التي يقوم سكان قريته بصنعها لطرد الغربان , لكن الغربان التي تربت علي أكل لحوم الجنود في هذا المكان لا يخيفها ولا يرضي عطشها خيال مصنوع من القماش بل نري ان الغربان هي التي تحولت الي مصدر للازعاج والقلق وهي ايضا التي حولت ساكني هذه القرية لخيالات مأته والدلالة الرمزية في استخدام الغربان حيث القوة والوحشية المفرطة التي لا يردعها شيء تشير بشكل أو بأخر للقوة السياسية الديكتاتورية التي التهمت جسد الأكراد واللذين بقوا منهم تحولوا لأشباح جامدة تعصف بهم الريح أينما شاءت مثل خيالات المأته , ويأتي صاحب هذه الارض ببعض اطفال القرية لطرد الغربان بواسطة الطبل علي الصفائح القديمة بشكل مزعج لاخافة الطيور لكن لا شيء يعيق الغربان علي المضي في طريقها , ولا حتي كرات النار التي استخدمها صاحب الارض ضدهم , ولكن الذي يمضي هو عمر هذه الاطفال التي تتوغل في الصحراء الخطرة الي ان تنفجر أحد الالغام في طفل منهم , وعندما يحاول صاحب الارض حماية طفل أخر ينفجر فيه اللغم ويفقد احدي ساقيه بعد ان نراه في مشاهد حميمية مع زوجتة التي لا تجيد في الفيلم سوي الركض امام الزوج الشغوف بمعاشرتها كلما رأها , ثم تتحول ضحكاتها الي نحيب عندما يفقد الزوج ساقه اثر انفجار لغم ارضي فيه , وكأن نحيبها ليس لانقطاع رزقهم بعد اصابة الزوج ولكن لانقطاع علاقتهم الحميمية , تلك الزوجة التي تشبه الغانيات بتصرفاتها وأدائها حتي في المشهد الوحيد الذي قد يعطي لمشاركتها في حياة هذا الزوج معني ايجابي غير معاشرتها , جاءت للارض حيث يعمل زوجها وهي حاملة معها الطعام , لكنها تبدأ بإغرائه وتجره الي ما يشبه بركة الماء لتبادل اللمسات الحميمية , فيترك الزوج طعامه وعمله ويركض خلف شهواته , دون الاهتمام بطبيعة المكان العاري , اما الغربان التي لا حصر لها والتي بالغ المخرج في حشر مشاهدها دون حاجة درامية , طافت داخل احداث الفيلم بشكل ازعج جميع المشاهدين اللذين بدأوا يتهامسون ويتبادلون الضحك بسخرية تعوضهم الكأبة والملل في مواصلة المشاهدة للنهاية , ولكن مع كل مشهد كان الملل يتضاعف والضحك يعلو والتعليقات بدأت تنطلق يعقبها اللوم علي لجنة المشاهدة ( إن وجدت ) التي وقعت بالموافقة علي إختيار هذا العمل الذي أقل ما يقال عنه أنه مسخ بصري لشكل فني مشوش جمع بطريقة مُهينة للجمهور بين الفيلم التجريبي وبين الفيلم الروائي وبين الفيلم التسجيلي كما إستنزف من وقت المشاهد وجهدة في تقبله له طوال عرضه , ولا يعني قلة الافلام التي تتقدم للمشاركة في أي مهرجان دولي محترم أن تقبل لجنة المشاركة أي عمل يقدم لها لمجرد تسديد الخانة التي قد تكون فارغة لو لم تقبل هذا المستوي او ذاك , ام ان قبول هذا الفيلم للمشاركة في المسابقة العربية للمهرجان نوع من التراضي والمجاملة بين مصر وصناع الفيلم اللذين أصروا بإستماته في ندوة الفيلم علي تقديم أنفسهم بالهوية الكردية مما أشعل الاشتباك داخل الندوة بين بعض الصحفيين وبين صناع العمل , وجعل أحدهم يذكر المخرج وبطل الفيلم أننا في مصر إستقبلناهم علي أنهم أخوة فنانين جاءوا ليمثلوا العراق في المهرجان , في نفس الوقت التي رفضت فيه السلطة المصرية إعطاء تصاريح دخول لأبطال فيلم إبن بابل , فلماذا أعطت التصريح لأبطال هذا الفيلم ليأتوا من كردستان العراق ويقدموا لنا انتاجهم ولم تمنح الموافقة لحضور أبطال فيلم بمستوي فيلم ابن بابل الذي أُختير ليمثل العراق للمرة الأولي في تاريخها في مسابقة أفلام الاوسكار ؟

0 comments:
Post a Comment