تأخرت قليلاً في مشاهدة فيلم 678 بعد طرحة في دور العرض بإسبوع بعدما تابعت الدعاية الاعلامية الكبيرة التي رافقت الفيلم في البرامج التليفزيونية وعند عرضه في مهرجان دبي وحصول ابطالة علي جوائز هامة في المهرجان , ذهبت لمشاهدته في احدي دور العرض والتي تعرض في نفس الوقت فيلم جديد من انتاج السبكي هو فيلم بون سوارية لغادة عبد الرازق , وبعد معاناة في الحصول علي تذكرة العرض بسبب الزحام الكبير علي شباك التذاكر ظننت ان هؤلاء الشباب تأثروا أيضاً بالدعاية المكثفة لفيلم 678 وجاءوا لمشاهدته , لكنهم خذلوا ظني وتوجهوا جميعاً لمشاهدة الفيلم الأخر الذي صاحبته ايضاً دعاية إعلامية وهجوم حاد قبل عرضه لأسباب عديدة إستخلصها البعض من طريقة طرح الاعلان الخاص بالفيلم حد توصيفه بالفيلم البورنو رغم دفاع أبطاله عنه وخصوصاً منتجه الذي يعتبر من أهم تجار السينما في مصر الناجحين في إسترداد أموالهم من صناعة الأفلام , أما قاعة فيلم 678 فكانت هادئة, وبالطبع ليس عدلاً أن نحكم علي أي عمل فني بالقبول أو الرفض قبل مشاهدته متأثرين بالدعاية التي قد تبالغ في توصيف الفيلم , وهذا دائماً ما يحدث قبل عرض أي فيلم يطرح مضمون ما بإسلوب مختلف عما تعودنا عليه .
678 هو رقم إحد الأتوبيسات التي تطوف أرجاء القاهرة كل صباح حاملة قدراً كبيراً من المشاكل والكبت النفسي والهموم الوراثية التي تصيب الشعب المصري , نساء ورجالا وشباباً وأطفالاً جميعهم يحاولون الهرب من هذا الضغط اللامنتهي بتشجيع من غرائزهم المخنوقة , داخل 678 تتعدد النماذج وتختلف الحكايات وردود الافعال حسب طاقة الشخصيات , الزوجة فايزة " بشري " التي تصاب بعقدة رفض من جراء تعدد محاولات التحرش بها وتجعلها هذه العقدة تنفر من زوجها مما يدفعه للبحث عن بديل يشبع رغباته الطبيعية فيلجأ الي متابعة الفيديو كليب ثم يلجأ الي التحرش بإمرأة داخل اتوبيس 678 , فتطعنه صبا " نيللي كريم " وهي من طبقة إجتماعية مختلفة عن فايزة التي هي أم لطفلين , اما صبا التي نسج لها المخرج خطأ درامياً للتحرش يتناسب مع بيئتها الراقية فنجدها هي الاخري يتحرش بها مجموعة من الشباب بعدما امام انظار ازوجها وسط زحام مشجعي كرة القدم , اما الشخصية الثالثة نيللي " ناهد السباعي " فتصر علي ملاحقة احد السائقين وضربه ومقاضاته في اول قضية تحرش ترفع امام القضاء في مصر ,الفيلم عرض شرائح مختلفة من نساء مصر يتعرضن لهذا الفعل بطرق عديدة وأعمار مختلفة حتي الاطفال نراهم يركضون خلف النساء لضربهن او لمعاكستهن , ثم تجتمع صبا وفايزة ونيللي علي هدف واحد هو الدفاع عن النفس بالنفس بإستخدام السلاح الابيض وذلك بإصابة أي شاب يحاول الاقتراب منهن , وبالفعل تقوم فايزة بالدفاع عن نفسها اكثر من مرة لكن دون انتزاع الخوف الذي يسيطر عليها . قد نتعاطف مع رد فعل الشخصية في البداية التي يضع فعلها المخرج في خانة رد الفعل التلقائي في الدفاع عن النفس لكن المخرج ينتزع من المشاهد هذا التعاطف مع الضحية عندما يحولها الي جاني يترصد ويدبر لاصطياد ضحيته ,نسف المخرج محمد دياب وهو ايضا كاتب السيناريو مشاعر الجمهور في التعاطف مع فكرة الدفاع الشرعي عن النفس بعدما حولها الي فكرة الثأر والانتقام المنظم الذي يدفع النساء لملاحقة المتحرشين في تجمع لمباراة كرة القدم حيث الزحام , و يكتشف ضابط الشرطة بطريقة طريفه علاقة النساء الثلاث ببعض الحوادث التي طعن فيها المتحرشون ويتتبع أثرهن حتي يقبض عليهن ثم يخلي سبيلهن بعدما يصيبهن بعدوي الخوف المتوارث من هيمنة الرجل الذكورية علي المجتمع التي ينحاز لها ضابط الشرطة وينفعل لأجلها الى حد الدفاع عنها ضد المجني عليهن .
لم يكتف السيناريو بطرح مشكلة التحرش الذي تتعرض له الفتيات في مصر وتعدد ردود أفعالهن بين الصمت والجهر به , بل حاول ان يضيف مساحة اخري لخلفيات هذا الفعل ودوافعه وتبعاته وأشكاله المتعددة , لكنه قدم أفعالاً مترددة لشخصيات مسطحة المعالم متضاربة التفكير مزدوجة الانفعالات , فشخصية صبا التي تعطي محاضرات للفتيات في الدفاع عن أنفسهن تحاول هي نفسها الاختباء والهروب من مواجهة المجتمع بما تعرضت له, اما فايزة وهي الشخصية الاكثر جبناً بينهن فيكمن في داخلها غضب كبير تحول الي عقدة جنسية لكن ما يكبح هذا الغضب هو الخوف الوراثي التي تحمله داخلها عن مفهوم الذكورة المسيطر وضعف المرأه للمطالبة بحقها , الذي يدفعها الي الصمت وكتمان ما تتعرض له , حتي عندما يحفزها تحريض صبا لها باستخدام اية وسيلة حتي وان كانت غير مشروعة للدفاع عن نفسها , لم تتخل عن هذا الخوف ولا عن هذا الموروث الجاهل الذي يدين النساء ويبريء الجاني , ان المرأه دائما هي الشيطان الذي يغوي الرجال , ولا تبدو منطقية ثورة فايزة علي صبا المتحررة , وهي نفسها رغم مظهرها الملتزم تتعرض أكثر منها للتحرش , ويضيف المخرج شخصياته النمطية عند اكتشاف فايزة لأخلاق زميلتها المحجبة , التي تنفي الربط بين المظهر الخارجي وبين نقاء الاخلاق .
الفيلم موضوعاً وأداء ينتمي لسينما المرأه , إضافة لتهميش السيناريو لشخصيات الرجال الهزلية المترددة والنمطية لفكر الرجل الشرقي غير المتحضر , الذي حاول السيناريو تقسيمة الي 4 أنماط كانت متشابهة السلوك الي حد التطابق دون وجود تنوع للأفكار, شخصية الزوج المقهور المظلوم عاطفيا أعطاه السيناريو مبرراً منطقياً للبحث عن شهواته خارج بيته بعد رفض زوجته المتكرر له , اما شخصية خطيب نيللي الذي يشعرنا في بداية الفيلم بالامل والتوازن النفسي في معادلة شخصية زوج صبا الذي ينسحب من حياتها بعد تعرضها للتحرش , لكن شخصية خطيب نيللي التي تبدو ايجابية في بداية الفيلم يصدمنا بتحوله السلبي بفعل تاثير المجتمع عليه , ولكنه يعود الي ايجابيته في تقبل وضع خطيبته ومساندتها في قضيتها ولكن بشكل هزلي ساذج يتناسب مع الاداء البارد الذي يخلو من اي انفعال , اما شخصية الضابط الذي يبحث وراء جرائم الطعن داخل الاتوبيسات بشكل كوميدي لا يخلو من النمطية وخصوصاً في مصاحبتة الضابط المساعد الذي دائماً ما قدمته الافلام المصرية علي انه أقل ذكاء وفطنة من رئيسة , ثم يدخلنا السيناريو في الحياة العائلية لهذا الضابط بكل تفاصيلها ويخرجنا منها دون اي مبرر او تأثير نفسي او درامي , فالمخرج كما سطح من سيناريو الفيلم قام ايضاً بتسطيح خلفيات الشخصيات الذكورية المساندة لشخصيات النساء , وحصر دورها في توضيح بعض الاسباب التي تدفعهم لممارسة هذا السلوك بالخطاب المباشر والحجج المتعارف عليها والتي اصبحت تردد في كل اتجاه , الفقر والبطالة والظلم الخ , وكأننا نستمع الي برنامج شكاوي المواطنين , ولكن بالتأكيد لكل عمل فني نقطة مضيئة و678 رغم مشاكله الفنية العديدة في الاخراج والمونتاج والسيناريو لكنه قدم نقاطا هامة , منها دخول الفيلم في زاوية جديدة ومشكلة عامة واقعية وهي قضية التحرش التي لم تطرح بهذا التوسع من قبل في فيلم سينمائي طويل , والنقطة الثانية هي إطلاله بشري التي اشاهدها لأول مرة تقوم بأداء دورها بمستوي فني رائع علي شاشة السينما , واحتفاظها بأدائها وأنفعالاتها التي انحصرت بين مشاعر الخوف والهروب لا تستحق عليه فقط أفضل ممثلة في مهرجان دبي ولكنها تستحق عليه جائزة أحسن ممثلة بين ممثلات جيلها جميعهن .

0 comments:
Post a Comment