Sunday, July 11, 2010

لا تراجع ولا استسلام
عندما يهرب مكى من أحضان ''دبور'' ليقع فى أحضان اللمبي

موقع السينما العربية
منذ ان شاهدت البوستر الخاص بفيلم الفنان أحمد مكي الجديد , لا تراجع ولا استسلام , حمدت الله انه لم يواصل تقديم سلسلة جديدة من شخصية دبور التي قدمها في أكثر من عمل سابق , لكن الصورة اوحت لي ايضا ان مكي لم يحاول ابتكار شكل فني خاص به , فالتفاصيل التي ظهر بها علي البوستر تتشابه الي حد كبير مع ملامح شخصية المطرب الشعبي شعبان عبد الرحيم , لكن التاثر بالمطرب الشعبي لم يمتد الي اداء مكي داخل الفيلم بل تحول الي تأثر أخر بشخصية محمد سعد في اللمبي , بالتحديد في الاداء الحركي والراقص الذي يمارسه محمد سعد بجسده لخلق نوع من الكوميديا الهزلية داخل الفيلم مروراً بالاداء الصوتي المتلعثم ,كلاهما اتبعهم مكي وبنفس التفاصيل في رسم شخصية ( حزلقوم ) , بل انه نقل بعض مشاهد اللمبي بأسلوب مطابق لما قدمه سعد سابقاُ , كمشهد الرقص فوق السرير بتحريك جسده بشكل كوميدي . أحمد مكي أصبح من نجوم الكوميديا في الفترة الاخيرة , واصبح كما يقال نجم شباك ينسب العمل له وليس للمخرج كما هي العادة , لكن ظروف دخوله لعالم البطولة السينمائية تتشابه الي حد ما مع ظروف دخول محمد سعد ايضا , فالاثنان استثمروا نجاح شخصيات قدموها في اعمال سابقة واعادوا طرحها من جديد علي المشاهدين في عدة اعمال اخري لكنها لم تكن بنفس النجاح الجماهيري الذي حققته الشخصية عند تجسيدها للمرة الاولي , وعندما حاول احمد مكي ان يخرج من هذه الدائرة وقع في فخ التقليد لشخصية اخري اصبحت اكثر استهلاكاُ ونفوراُ لدي المشاهد . لا تراجع ولا استسلام هو العمل الثالث الذي يجمع بين أحمد مكي والمخرج أحمد الجندي بعد أن جمعهم في السابق فيلمي اتش دبور وفيلم طير انت , ويشارك مكي البطولة دنيا سمير غانم , وعزت ابو عوف وماجد الكدواني , والفيلم يقدم كوميديا يمكن للمتلقي ان يستمتع بها طوال مدة عرض الفيلم لكنها تسقط من ذهنه فور خروجه من قاعة العرض , فهي لا تعتمد علي خلق مواقف كوميديا خلال تدفق الحدث الدرامي , لكن الفيلم يعتمد بشكل اساسي علي تقديم كوميديا الافيهات الضاحكة والتي تشبه الي حد ما الاسكتش الفكاهي وفن المنولوج الذي يعتمد علي موهبة الالقاء والاداء الحركي . تبدا أحداث الفيلم بإستعراض مطاردة بين ( أدهم ) احمد مكي وهو احد مساعدين زعيم عصابة لتجارة المخدرات ( سامي العدل ) , وبين عصابة اخري تحاول سرقة المخدرات وقتل أدهم الذي يقضي عليهم جميعا ونراه يفر في سيارته هاربا وهو مصاب بجرح في جسده , مشهد المعركة بين ادهم والعصابة اخفق المخرج كثيراُ في تقديمه حيث اربك المونتاج السريع ذهن المشاهد واستخدام الاضاءة القانمة لاضفاء احساس الجو البوليسي والمغامرات , أفقدنا التمييز في تحديد الشخصيات , وربما المخرج ايضا أصيب بهذا التشويش البصري الذي مارسه علينا , ارتباك المونتاج أصبح غاية الوضوح في اللقطة التالية التي ظهر فيها أدهم وهو يهرب بسيارته بعيداٌ عن مكان الحادث , ثم بعد إكتشاف البوليس للواقعة يحدثنا المخرج ان الشرطة وجدت جثة أدهم وباقي افراد العصابة في موقع الحادث . يحاول ضابط الشرطة ( سراج ) ماجد الكدواني البحث عن شبيه لشخصية ادهم يساعده في القبض علي الزعيم الاكبر للعصابة , ويعثر بالفعل علي شخص يحاول تدريبه ليقوم بدور أدهم ثم يلجأ الي سكرتيرة زعيم العصابة ( جيرمين ) دنيا سمير غانم لتساعدة علي اداء مهمته , وبعد عدة مواقف تغلب فيها الاداء الحركي لاحمد مكي علي الاداء التمثيلي و الحوار المستهلك , ينتصر أدهم المزيف أو ( حزلقوم ) علي قوة العصابة بالكامل , وبالطبع لابد ان ينتهي الفيلم بنهاية سعيدة وهي زواج البطل بالبطلة بعدما تكتشف طيبة قلبة ورجولته وشجاعتة المفرطة . حاول الفيلم تقديم نوع خاص من الكوميديا يشبه مضمونها سلسلة الافلام الكوميدية الامريكية Scary Movie , التي تقوم علي السخرية من بعض مشاهد أشهر الافلام العالمية , لكن الفيلم لم يستطع الوصول الي درجة واحدة من الابداع التي تتميز به هذه السلسلة , لكن حاول الاشارة من خلال التلميح الحواري الي السخرية من مشاهد بعض الافلام المصرية القديمة , ففي محاولة لتحويل شخصية حزلقوم الي شخصية أدهم علق ضابط الشرطة علي ضرورة قطع أحد اصابع القدم لتتطابق مع الشخصية الحقيقية كما في فيلم إعدام ميت , مشهد أخر وهو حلم يراود حزلقوم يظهر فيه الفنان غسان مطر بشخصيتة الحقيقية يتحدث عن الفرق بين اداء ادوار الشر في السينما وبين شخصية الفنان التي لا ترتبط بملامح أي دور , الخ من المشاهد التي انفصلت عن سياق أحداث الفيلم , والتي أصبحت حادثاً منفصلا يختفي ويظهر ليلقي إفيه علي الجمهور كلما عجزت أحداث الفيلم الرئيسية عن مواصلة تقديم هذه الابتسامة , كما بالغ المخرج في توضيح مشاهد لا تحتاج للمزيد من التوضيح بإضافة موسيقي تصويرية تعبر عن خلفية المشهد , مما جعل عنصر الموسيقي في الفيلم يفقد قيمته ويتراجع عن أهميتة في التعبير عن الصورة حتي أصبح زائد عن احتياج المشهد , فالصورة واضحة لا تحتاج لمساندة موسيقية من حين لأخر . حاول ماجد الكدواني من خلال شخصية ضابط الشرطة سراج والتي تختلف ملامحها تماما عن شخصية الضابط التي قدمها سابقا في فيلم عزبة أدم , حاول تقديم الشخصية الكوميدية بمنتهي الجدية لكنه حولها الي منتهي السخرية بإنفعالة المبالغ فيه الذي أضحكنا أكثر من الحوار , اما دنيا سمير غانم فهي في كل عمل جديد تثبت اقدامها أكثر علي شاشة السينما , هذا الوجة الذي يسهل تطويعه لكل الادوار فهي ممثلة غاية الاجتهاد في كل دور تقوم به , اما احمد مكي برغم انه لم يستطع ان يرسم لنفسه في هذا الفيلم شخصية مستقلة بعيدة عن تأثرة بشخصيات قدمها أخرون , الا انه أعطانا إشارة ولو من بعيد أنه سيكون نجم أفلام الأكشن القادم لو إجتهد جيداُ في تدريب نفسه أكثر علي الجمع بين الاداء التمثيلي والاداء الحركي , رغم ان احمد الجندي لم يجيد اخراج مشاهد المطاردات في الفيلم لكنه ركز علي توجيه ملامح احمد مكي التي تميزت في اداء دور الشر من خلال شخصية أدهم الحقيقي رغم انها مشاهد قليلة

http://www.elcinema.com/news/nw678916023/

Monday, July 5, 2010

'الكبار'' فانتازيا درامية لا تتماس مع الواقع سوي بفساد كل منهما

موقع السينما العربية

ينتمي فيلم الكبار لموجة الافلام التي يفضح موضوعها الكثير من تدني القيم الاجتماعية والاخلاقية التي أصبحنا نعيش فيها والتي يشتق منها حواديت عديدة تصلح جميعها ان تكون مادة ثرية لكتاب السيناريو ينسجون منها احداث درامية متباينة الاساليب لكن جميعها تعكس مدي تفشي الفساد الذي أصبح أفة تنخر في جسد المجتمع, تلك الازمات التي لا تحتمل التهريج طوعتها السينما في اشكال فنية متعددة , ما بين التناول الكوميدي الساخر وما بين التناول المأساوي السوداوي وبين التناول الاجتماعي لتبعيات هذا الانحدار , وبرغم جدية هذه الرسالة الا اننا لن نجد اعمالا سينمائية كثيرة قدمتها بمستوي فني لائق الا القليل منها , كان اخرها فيلم بنتين من مصر حيث عرض لنا المخرج سيمفونية درامية شديدة العذوبة والالم معاُ , اما فيلم الكبار الذي عرض منذ أيام في دور العرض فلم يفلح سيناريو الفيلم في شحن المشاهد بهذا الثقل الدرامي المأساوي الذي يعكس من خلال الاحداث استفحال منظومة الفساد التي نعيش بها .
فيلم الكبار تأليف بشير الديك وإخراج محمد العدل في اولي تجاربه السينمائية , لم يقدم لنا السيناريو سوي أحداث ناقصة يخمن الجمهور دائما حقيقة مسارها , كلما اشتد تركيز المشاهد مع حدث ما سريعا ما ينقطع ويختفي في ظل حدث اخر يفرض نفسه دون مقدمات ولا يكتمل اي منهم في النهاية , ويظل المشاهد ينتظر ويخمن ويشرب اداء الممثلين الذي بدا اقل من المتواضع , فالمخرج يكاد يكون انصرف عن توجيه الممثلين وخصوصا في مشهد يقوم فيه عمرو سعد ( كمال ) بالقاء خطبة دفاعه امام المحكمة , في حين تصدر نبرات صوته هزيلة مترددة تخلو من اي أداء تمثيلي . يعرض الفيلم مراحل مختلفة لتحول شخصية كمال وكيل النيابة الذي يصاب بعقدة نفسية بعد تسببه في اعدام متهم بريء ثم يتحول للعمل كمحامي لا يستطيع التصدي لسلطة المال والنفوذ التي تقف أمامه وتجبره علي التخلي عن قضيته الاولي ويكتشف مدي ضعفه , فيواصل بسلبية مستكينة إنفصاله عن الحياة العامة ويحاول الهروب الي نسيان ماضية بكل ما فيه ويعطينا المؤلف اشارة دلالية خاطفة لتأثر كمال بشخصية والده الذي عمل قاضيا , ولكن سريعا نجد كمال يتحول الي النقيض وينضم الي الجانب الاقوي , ودون أي خلفيات نشهد اشباح بشرية تقتحم حياة كمال وتطوعه ليتحول الي ظل لرجل اعمال صاحب نفوذ كبير , يجبر كمال علي اطاعة اوامره بارادة مسلوبة , ويستغل علاقة والد كمال السابقة مع احد القضاة فيقوم برشوته مقابل حكم البراءة في احد قضايا الفساد , وبعد انتهاء هذه المسرحية الهزلية والحصول علي البراءه المزيفة ينتحر القاضي داخل قاعة المحكمة وكأنه يعلن عن انتحار العدالة التي لم تستطع مقاومة الظلم , حكم قصري وسوداوي فرضه المؤلف علي المشاهدين ولكن بشكل أشبه الي الكاريكاتير والفانتازيا التي يمكن ان تقبل الاحداث التي لا تخلو من المنطقية . ولم تخلو الاحداث بالطبع من وجود جانب يدعم الخير ويحاول إسترداد ضمير البطل فشخصية علي ( محمود عبد المغني ) صديق كمال , كانت دائما صوت الحق المدوي في أذن كمال , ولكن تأثيره كان محدود مع بداية الفيلم فلم يتمكن من إخراج كمال من الأثر النفسي الذي تعرض اليه ولم يستطع ردعه عن حالة السكر والضياع الذي عاش فيها والتي دفعته للتخلي عن شرفه , لكن علي ظل شخصية محايدة حتي منتصف الفيلم ثم بدا يشارك بإيجابية أكثر وابتعد عن التوجية المباشر الذي مارسه علي كمال , وبدأ في البحث عن أصل شخصية الحاج ( خالد الصاوي ) رجل الاعمال الذي يعمل معه كمال , ويظل المشاهد منتظراَ واهتمامة منصب حول لحظة تكشف الحقيقة التي يجتهد ( علي ) في كشفها , لكن السيناريو يصفعنا علي وجهنا من جديد ويتركنا معلقين في الهواء , ويأخذنا الي حدث اخر وهو اكتشاف ( الحاج ) لخيانة كمال له والوشاية به في لقطة أصابنا فيها خطابة الطويل بالملل , ونضف اليه الاداء الهزلي والاستعراضي الذي نسجه خالد الصاوي لشخصية بمواصفات الحاج , والذي يعتبر من أكبر الكيانات الاقتصادية في البلاد لمجرد كسر العادة في ابتكار ملامح جديدة لشخصية الشرير , دون تقديم أي مبررات درامية يمنح الحاج لكمال حريته ويتركه يرحل بسلام بعد كشفه للخيانة ولا يحاول حتي معاقبتة او قتله كما نري في الافلام المصرية , لم يقدم لنا المؤلف تفسيراُ منطقياُ يجعل من غول إقتصادي يتحول لصاحب قلب رحيم يعفو عن خائن في لحظة محاكمتة , ويرتفع بنا الضغط الدرامي للأحداث ويقوم كمال بسحب سلاح أحد الحراس ويقتل الحاج علي مسمع الجميع , ولكننا اتفقنا سابقاً أن الأحداث تمثل فانتازيا درامية لا تتماس مع الواقع سوي بفساد كل منهما , والفساد وحده لا يكمن في دس الرشاوي لجيوب الموظفين ولا شراء ضمير القضاة أو الحكام , ولكن الفساد الأكبر تأثيرا هو تقديم أعمالاُ فنية دون المستوي , الذي لا يحترم عقلية الجمهور , وهو الذي يحترم صناع السينما ويذهب ليشاهد ما يقدموه له ,أما عمرو سعد هذا الوجه المليء بالموهبة والاحساس بدأ يتأكل فنياُ بفعل الاندماج الغير مبرر داخل ملامح شخصية الفنان أحمد ذكي , فإذا قبلنا منه هذا التأثر مرة , فلن نقبله في كل مرة , أما خالد الصاوي فقدم أداء أقل من المعتاد وبشكل يدعو للسخرية

http://www.elcinema.com/news/nw678915867/

Sunday, July 4, 2010

نساء السينما الايرانية .. والجوائز العالمية

السينما الايرانية واحدة من أنجح السينمات تمثيلاً في المهرجانات العالمية , فالجوائز العديدة التي حصدتها السينما الايرانية منذ عام 1997 بعد ان حصل المخرج الايراني عباس كايروستامي علي أول جائزة عالمية مهمة تحصدها السينما الايرانية في تاريخها وهي سعفة مهرجان كان الذهبية عن فيلمه طعم الكرز وما تبعها من جوائز اخري عديدة من مختلف مهرجانات العالم وأهمها شهرة وقيمة , شكك البعض في أحقية حصولهم علي هذه الجوائز , اما أنها تمنح لمخرجين يستغلون الوضع العام الايراني للحصول علي تمويل غربي لإنتاج أفلامهم التي يمنع عرض العديد منها داخل ايران , أو لأنهم تحدوا سلطة الرقابة الصارمة في فتح موضوعات اجتماعية مسكوت عنها , أو لأنهم يحاولون ارضاء الغرب وكسب تعاطفهم في تقديم نماذج حقيقية من مشاكل المجتمع الايراني والذي جعلت بعض المخرجين يبتكرون نمط يميز أفلامهم وذلك بمزج الشكل الروائي بالتسجيلي , لكن بعضهم لم يلتفت الي المستوي الفني لهذه الأفلام والذي كان ومازال يستحق حصد المزيد من الجوائز السينمائية , اياً كانت الأسباب التي وراء اكتساب السينما الايرانية ثقة واحترام جمهور السينما في العالم , فلم تحصد السينما المصرية الا القليل علي مدار تاريخها الطويل والتي يعتبر الانتاج الاكبر والاوفر الي جانب المكانة التي كانت تحظي بها مصر منفرده في مجال السينما بين الدول العربية قبل أن يتراجع دورها الريادي في صناعة السينما بعد الهجوم السينمائي الخليجي الذي بدأ في الانتعاش منذ فترة من ناحية ومن ناحية أخري النجاح السريع للسينما الايرانية ذات المستوي الفني المتميز والتي سبقتنا بعدة أميال الي العالمية , رغم أن بدايات السينما في ايران تقارب تاريخياُ بداياتها في مصر , معقل الانتاج السينمائي العربي سابقاً .
الواقعية اتخذت شكلا آخر بعد الثورة الإسلامية
تعود بدايات السينما في ايران الي اوائل القرن الماضي مع دخول اول الة تصوير للبلاد علي يد شاه ايران عام 1900 حيث جذب الاختراع الجديد انتباه الناس تدريجياُ من خلال اوائل الصور التي اخذت بهذه الكاميرا بتلقائية وعفوية التجربة الاولي , وتلي ذلك انشاء دور عرض لمشاهدة ما التقطته الكاميرا بالاضافة لبعض التجارب الاوربية الصامتة التي تصل اليهم بانتظام , وظل مفهوم السينما في ايران منتج استهلاكي ترفيهي مبهر حتي انتاج اول فيلم ايراني صامت علي يد المخرج اوهانس اوهانيان اوائل الثلاثينيات بعنوان حجي أغا , وتوالي بعدها الانتاج المحلي ولكن بالصبغة الهندية التي اجتاحت اسلوب المخرجين المتأثرين بالعروض الهندية المنتشرة وقتها داخل السينمات الايرانية , ولكن سريعاُ ما اعتبرت الدولة أن السينما فن يزداد انتشارا وتأثيراُ علي الشعب الذي بدأ وعيه يتفتح من خلال التجارب الهندية والمصرية والاوربية التي انتشرت سريعا في دور العرض , فأخذت الدولة في السيطرة علي هذا الانتشار مع بداية عرض اول فيلم ايراني ناطق عام 1932 بعنوان بنت لور للمخرجان اردشير ايراني وعبد الحسين سربنتا وعمدت الي توجيه السينمائيين الي أنواع معينه من الموضوعات التي تعرض ايران في أفضل صورها الخالية من أي نقد أو تشويه .
والي جانب هذا النوع المفروض بقوة الضغط ظهرت بعض الاجيال المتمردة علي هذا الشكل الخانق للإبداع فكان المخرج داريوش مهيروجي هو اول من كسر هذه القاعدة بفيلمه البقرة انتاج عام 1969 , تجول فيه مستخدماً كاميرته السينمائية داخل إحدي القري الايرانية الفقيرة والتي تخلو من اي مظاهر التمدن والتحضر , واستعان بشخصيات من الفلاحين اهل البلده لاداء ادوار رئيسية في الفيلم مؤسساُ بذلك بداية لجيل جديد من الواقعية التي لم تعرفها السينما الايرانية من قبل , وتبعه بعد ذلك اجيال جديدة دعمت هذا الاتجاه وخلقت منه حالة ابداعية محلية شديدة الخصوصية تميزت بها السينما الايرانية عن غيرها , واصبحت من السمات المميزة لمعظم الاعمال الايرانية التي تجول اعظم مهرجانات العالم .
وإتخذت الواقعية شكلاُ أخر بعد الثورة الإسلامية في ايران عام 1978 إمتزجت فيه بالرمزية واندماج روح الفيلم الوثائقي بالروائي لينتج عنه جيل مهجن من السينما الجديدة خلق شكل فني مبتكر لاقي إستحسان الغرب وحصد المزيد من جوائز مهرجانات السينما , ووقف كخصم قوي أمام الرقابة الصارمة التي تفرضها ايران علي صناعة الأفلام .
إنتهي منذ أيام قليلة البرنامج الشهري لمركز الثقافة السينمائية التابع للمركز القومي للسينما, والذي خصص شهر مارس بالكامل للإحتفاء بسينما المرأه الإيرانية , وعرض ضمن البرنامج خمسة أعمال لمخرجات كلهن من عائلة المخرج محسن مخملباف , ثلاثة أعمال منهم لإبنته الكبري المخرجة سميرة مخملباف , فيلم التفاحة وفيلم سبورات وفيلم الخامسة بعد الظهر وفيلم لإبنته الصغري هنا مخملباف بوذا إنفجر خجلاُ , وفيلم زوجته مرضية ميشكيني يوم أن أصبحت إمرأه , الأفلام حظيت بحضور غير متوقع من محبي ومتابعي السينما وطالب البعض بإعادة عرض الأفلام الخمسة وإستكمال عرض باقي أعمال المخرجين الأخرين كمحسن مخملباف وعباس كايروستامي وجعفر بناهي وغيرهم , المدهش ليس فقط في الاقبال علي مشاهدة سينما الأخر , ولكن في الدافع الذي جعل الإقبال عليها بهذه الشراهة والعطش لرؤية سينما مغيبة عن الجمهور المصري لسنوات , فالسينما الايرانية كانت تشارك في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي لسنوات قليلة ماضية لكنها انقطعت عن المشاركة العربية وأصبحت تتجول في أكبر مهرجانات العالم تقديراُ لهذا الفن , وأصبح لها نصيب الأسد في حصد جوائزها , لذلك حرص الكثيرين علي متابعة هذه الإحتفالية علي مدار شهر كامل توقف البعض منهم ليسأل أين تقف السينما المصرية الأن , وكيف سيكون مصيرها إذا كانت نساء ايران تصنع أفلاماً لا تتعدي ميزانيتها المائة ألف جنيه وتحصل بها علي الجوائز الأولي في كان وبرلين وفينيسيا , أما السؤال المشترك في ذهن البعض , هل تستحق السينما الايرانية كل هذه الحفاوة الدولية و الجوائز التي تحصدها عالمياُ , فكانت مشاهدة الأفلام خير دليل للإجابة علي هذا السؤال , وإبداء رأي قاطع أن هذه الأعمال تستحق ما تحصده من جوائز وعن جداره وإن شكك البعض في نوايا صنعها او في مدي إستحقاق هذه الجوائز لأسباب ما .
إمكانات وتقنيات متواضعة وموهبة بلا حدود
رغم بساطة الانتاج واسلوب الطرح واستخدام الاطفال بشكل رئيسي وأفراد غير مؤهلة للتمثل , شاهدنا إسلوب غاية البساطة والجدية حتي أنها أصبحت ظاهرة أكثر منها أعمال سينمائية , التميز الواضح للعناصر النسائية الايرانية سواء في كتابة السيناريو أو الإخراج والتحكم في إدارة اعداد كبيرة من الأطفال الذي ربما يرون لأول مره كاميرا سينمائية أكبر دليل علي مشاركة المرأه في كل فعاليات الحياة سواء داخل إيران او خارجها , برغم ما يفرض عليها من سلطة إجتماعية ودينية متشددة , والأفلام الخمسة تحمل هم اجتماعي واحد علي اختلاف الشكل والمضمون , وهو مقاومة المرأه للنظام الاجتماعي الذي يحجب عنها ابسط مظاهر الحياة بإسم الالتزام بالتعاليم الدينية والاخلاقية المتوارثة .
حصدت الجوائز العالمية .. والسر في الصدق الفني والانساني
في فيلم التفاحة نري اب يسجن ابنتاه داخل أسوار المنزل اثني عشر عاماُ خوفاُ من إختلاطهم بجيرانهم الذكور ولأن زوجته فاقده البصر لا تستطيع متابعة بناتها , لذلك يمنعهم الاب من الظهور منذ ولادتهن وحتي سن الحادية عشر , الي أن يقوم بعض الجيران بإبلاغ الشئون الاجتماعية ضد الاب لتحرير الطفلتين ومنحهن حقهن الطبيعي في الحياة والاندماج مع الأخر , الفيلم هو التجربة الاولي لمخرجتة سميرة مخملباف عن واقعة حقيقية , استخدمت فيه المخرجة الاشخاص الحقيقيين ودمجت ما بين الاسلوب الروائي والتسجيلي وحصدت به أولي جوائزها السينمائية في مهرجان كان عام 1998 لتكون أصغر مخرجة تحصل علي جائزة الكاميرا الذهبية بعمر لا يتعدي الثامنة عشر , لتعود من جديد وتحصد نفس الجائزة عام 2000 بفيلمها الثاني السبورات السوداء الذي يتابع رحلة العودة لبعض الاكراد من الحدود الايرانية الي قرية حلبجة بعد قصف الجيش العراقي لها بالاسلحة الكيميائية اثناء الحرب الايرانية العراقية عام 1988 , يرافقهم الرحلة مدرس متجول من اكراد ايران لا يملك في الحياة سوي سبورة سوداء أصبحت أداة متحولة في ايدي الجميع , فها هي سبورة المعرفة تتحول الي وسيلة للزواج بين المدرس والمرأه الوحيدة التي ترافق قطيع من الكهول في رحلة العودة , وتتخذ السبورة عدة وظائف اخري فعليها يحمل كهل مريض وتكسر لتستخدم في ترميم جرح طفل كسرت ساقة , وتستخدم كساتر يحتمي به من أصوات الطائرات الخ , وظيفة السبورة الاساسية هي العلم والمعرفة , واستخدام السبورة بشكلها المادي يصل بنا الي أن العلم والادراك يمكنه أن يحمي من الفقر والاضهاد والمرض , وتقدم سميرة في هذا الفيلم عدة استفهامات بخلاف عرضها لقضية الاكراد علي الحدود الايرانية العراقية , فتدخلنا في مشكلة حرمان الأطفال من التعليم وتستعرض ايضا ظاهرة استخدام الاطفال في الترويج لبضائع محظورة علي الحدود الايرانية العراقية وقد تناولها المخرج بهمان جوبادي الذي يقوم بدور المدرس الثاني في هذا الفيلم بمفهوم أشمل في فيلمه زمن الجياد المخمورة , ورحلة الاطفال الي الحدود مع بضائعهم المهربة هو الخط الدرامي الثاني الموازي لعودة سكان مدينة حلبجة لقريتهم , فالفيلم مليء بتوابع الاحداث السياسية التي تركت أثارها علي الجميع أطفالاُ كانوا أو شيوخاُ , نساء كانوا أو رجال , ورغم تعدد الموضوعات التي تطرحها المخرجة داخل عمل واحد الا ان جميع الخيوط متجانسة مع بعضها , فمنذ إنفصال المدرسان في بداية الفيلم كل في طريقة يبحثون عن تلاميذ يلقنوهم دروساُ مقابل الحصول علي الطعام , يعودان مرة اخري من نفس الطريق دون جدوي وكل منه خسر مصدر رزقه الوحيد بشكل أو بأخر وهو السبورة , وإن لم يتقابلا ثانياُ , الا ان كل منهم عايش تجربته وشهد معاناة الاخرين بل وشارك فيها بشكل فعال .
أما الفيلم الثالث لسميرة هو فيلم الخامسة بعد الظهر لكنها هذه المرة تعبر الحدود لتجسد واقع المرأه الأفغانية من خلال مرثية الشاعر الإسباني لوركا , انها الخامسة بعد الظهر , يا للساعة الخامسة بعد الظهر , وبين مرثية لوركا الحزينة وحياة نوجرا بطلة الفيلم حزن مشترك فلوركا فقد صديقة في أحدي مصارعات الثيران ونوجرا فقدت مأواها وفقدت اخيها وابن اخيها وفقدت منافستها علي كرسي الرئاسة في حاث اليم , لكنها لم تفقد حلمها في أن تصبح ذات يوم رئيسة لجمهورية أفغانستان , الخامسة بعد الظهر هو الفيلم الثالث الذي عرض للمخرجة سميرة مخملباف ضمن احتفالية سينما المرأه الايرانية في مركز الثقافة السينمائية الشهر الماضي , والفيلم مليء بالزخم الفني من خلال الصور الاستعراضية لمدينة كابول بعد اتمام تدميرها وتشرد أهلها وعودة النازحين من باكستان وباقي الدول المجاورة للبحث عن ماؤي لهم وسط انقاض المدينة التي تحولت بفعل القصف الي كومة من الحجارة , وسط هذه الصور المأساوية التي تعمدت المخرجة تصويرها بشكل بانورامي متواصل طوال احداث الفيلم , تتحايل نوجرا علي افكار ابيها الطالبانية المتشددة وتهرع بالخروج من الباب الخلفي الي العالم الاخر الاكثر أملاُ في المستقبل , تعبر من بوابة الجهل الي بوابة النور وتحلم مع صديقاتها ان يتولين ذات يوم رئاسة أفغانستان ليديراها بقلب المراه المحب للحياة والسلام .
بوذا ينفجر خجلاُ , من الافلام التي حصدت عدة جوائز عالمية ايضاُ وهو من اخراج هنا مخملباف كأول فيلم روائي طويل لها و شاركت مع والدتها مرضية ميشكيني في كتابة السيناريو له وهي بعمر الثامنة عشر , عرض الفيلم في مهرجان فينيسيا وبرلين وسان سباستيان وغيرها من مهرجانات السينما وحصل علي جائزة خاصة من مهرجان برلين عام 2008 وجائزة لجنة التحكيم الكبري من مهرجان سان سباستيان باسبانيا 2008 وعدة جوائز اخري , من أمام حطام تمثال بوذا في مدينة باميان الافغانية الذي دمرته القوات الطلبانية عام 2001 بدعوي التخلص من كل رموز الوثنية علي إعتبار ان التماثيل من المحرمات , تبدا رحلة الطفلة باهتاي في البحث عن مدرسة يمكنها الالتحاق بها بعدما حرضها جارها علي البحث عن فصل دراسي تتعلم فيه القراءه والكتابة , وتبدأ رحلة باهتاي في البحث عن طريقة لتحصل بها علي كراسة تدون فيها الدروس القادمة عند التحاقها بالمدرسة , فلم تجد وسيلة الا مقايضة بعض دجاجات البيت بخبز ومنها الي نقود شحيحة لا تكفي الا لشراء كراسة فارغة , فتستعين الطفلة بطلاء الشفاء الخاص بأمها كي تستخدمه في الكتابة , وتبدأ رحلة الكراسة البيضاء في البحث عما يملأ صفحاتها , لكنها تمر بأوقات عصيبة , وتذكرنا رحلة الكراسة البيضاء بوظائف السبورات السوداء عند سميرة مخملباف , فالكراسة هنا ايضاُ تسقط عنها وظيفتها الاساسية وهي التدوين وتتخذ أشكالاُ أخري مختلفة أثناء رحلة البحث عن مدرسة , فيقتطع منها عدة صفحات ليصنع منها الاطفال عدد من الصواريخ والطائرات للمضي في لعبة الحرب التي تدخل فيها باهتاي رغماُ عنها , ويصنع منها مركباُ تسير مع حركة الطفلة وتتوقف عند فشلها في العثور علي مدرسة , ثم تعود في الحركة من جديد وكأنها تبعث الأمل نحو طريق أخر , لكن سريعا ما يعترض هذا الأمل انهيار جديد فتدفن الكراسة تحت ارجل الاطفال وتسقط باهتاي التي لا تجد لحريتها سبيل الا الموت لتبدء من جديد , دفنت الكراسة التي تمثل مجازا رمزاُ من رموز الثقافة تحت أقدام العنف والجهل , كما دمر تمثال بوذا وهو رمز ثقافي وحضاري ايضاُ تحت اقدام العنف والجهل , فالفيلم مليء بالرموز والايحائات السياسية الصريحة من خلال لعبة الاطفال للحرب فهم لا ينتمون الي جانب بعينه ولا يدركون اسباب العنف المحيط بهم , ولكنهم فقط يتشربون من ثقافة مجتمعهم التي تنعكس علي أفكارهم وتصرفاتهم العنيفه دون وعي كامل , فنراهم أحياناً يمثلون دور افراد من حركة طالبان يختبئون من أصوات الطائرات ويحرقون الطائرات الورقية بزعم انها أمريكية , ومره أخري يتخذون أدوار الجنود الأمريكيين بزعم محاربة الارهاب , ولكن في الحالتين تكون باهتاي هي الضحية والهدف , فهل باهتاي هي رمز لأفغانستان التي مزعتها طالبان من جهه والجيش الامريكي من جهه أخري , ربما .
اما الفيلم الخامس الذي عرض ضمن هذه الاحتفالية فهو للمخرجة مرضية ميشكيني زوجة المخرج محسن مخملباف , يوم أن أصبحت إمرأه , عندما تبلغ حواء التاسعة من عمرها تجبر علي ارتداء الحجاب رغماُ عنها , وتحرم من اللعب مع الاطفال الذكور وتحتجب كلية عن الحياة المختلطة بدعوي الالتزام بالثقافة الاجتماعية والتي هي بعيدة عن مظاهر الثقافة الدينية التي تلزم المرأه بغطاء الراس عند البلوغ , فعندما تصبح حواء إمرأه تتغير خريطة حياتها لا تعرف ماذا حدث وماذا ينتظرها ولكن ما ينتظرها بعد ذلك هو مزيد من الالتزام المشروط , الحياة الزوجية التي يسيطر فيها الرجل علي كل رغبات المرأه بددعوي طاعة الزوج , كما في شخصية اهورا وهي الشخصية الثانية للقصص الثلاث التي نسجها سيناريو محسن مخملباف في هذا الفيلم من خلال ثلاث نماذج مختلفة الاعمار الاولي لطفلة وصلت الي التاسعة من عمرها لذا عليها ان تحتجب عن حياة الطفولة وتدخل الي عالم الانوثة من وراء حجابها دون أن تدرك لماذا منعت من ممارسة طفولتها مع جيرانها واصدقائها من الاولاد , والشخصية الثانية هي لفتاة شابة تسعي لممارسة هوايتها بالاشتراك في سباق للدراجات الهوائية مع بعض النساء علي الشاطيء لكن زوجها يطاردها ويحاول أن يردعها عن هذا العصيان ويستعين بوالد الفتاة وأخواتها وشيخ من قريتهم لكنها تمضي قدماُ نحو هدفها دون الاكتراث لاعتراضهم طريقها ولا تهتم بطلاقها , أما القصة الثالثة فهي لعجوزة تجاوزت من العمر أرزله , حصلت علي ثروة ما جعلتها تعيد النظر فيما حرمت منه طيلة حياتها فتشتري كل ما حرمتها الحياة منه وما هي بغني عنه في هذا العمر , ولكنها تفتقد لشيء ما لم تتمكن من تذكره , لذلك لم تقوم بشرائه , ربما يكون الحب التي لم تحصل عليه في شبابها ولم يجعلها تتزوج او تنجب ابناء يكفلوها في أواخر العمر , فتحاول تعويض ما فاتها علها تستعيد جزء من سعادتها المفقودة .
الأفلام جميعها تعرض موضوعات شديدة الخصوصية سواء بالنسبة للمجتمع الايراني أو الجار الافغاني , بشكل بسيط وعميق في الوقت ذاته وبامكانيات فنية وتقنية متواضعة ومن خلال ممثلين غير محترفين ومخرجات يمتلكن من الموهبة أضعاف أعمارهن , فما يميز هذه الافلام هو الصدق الفني والانساني الكبير التي تقدم به والايمان بمفهوم ودور السينما الثقافي وليس التجاري , فالمعالجة السينمائية انتقدت عدة قضايا ولكن بشكل حضاري بعيد عن المتاجرة بالسلبيات والتشهير بهموم الناس , فالمخرجات احترمن السينما ودورها في تنمية ثقافة المجتمعات , فأحترمتهم المهرجانات السينمائية العالمية ومنحتهن هذه الجوائز .


تلك الايام


بدأ سباق عرض أفلام الموسم السينمائي الصيفي لهذا العام منتصف الشهر الماضي بطرح ثلاثة أفلام جديدة في دور العرض المصرية وهي عصافير النيل وهليوبوليس وتلك الايام , وتبعها بعد عدة ايام فيلم نور عيني وعسل اسود والديلر , ليبدأ بذلك صراع قوي بين المنتجين وبين نجوم الموسم , رغم ان النتائج يمكن تخمينها مسبقا من خلال شباك التذاكر الذي بدا خاويا من الجمهور علي بعض الافلام , وافلام اخري الغي عرضها في عدة حفلات لعدم اقبال الجمهور علي مشاهدتها وكان ابرزها فيلم هليوبوليس الذي الغيت عدة حفلات له واضطر اصحاب دور العرض لازاحته الي موعد حفلة العاشرة صباحا ومنتصف الليل , في المقابل حقق فيلم احمد حلمي الجديد في اول اسبوع عرضه اصداء نجاح واسعة علي المستوي الجماهيري والنقدي , من ضمن افلام بداية هذا الموسم السينمائي كان فيلم تلك الايام وهو التجربة الاولي لمخرجة احمد غانم , ابن الكاتب الروائي فتحي غانم , والفيلم هو معالجة سينمائية لرواية فتحي غانم الادبية بنفس الاسم كتب لها السيناريو والحوار السيناريست علا عز الدين بمشاركة المخرج احمد غانم , يعود بنا الفيلم من خلال تكثيف مشاهد الفلاش باك الي ذكريات كل شخصية في الفيلم , ومدي تأثير هذا الماضي علي حاضرها ومستقبلها , وكل شخصية هي في الواقع تمثل نموذج مصغر لشرائح مختلفة من المجتمع المصري .علي النجار ( أحمد الفيشاوي ) , ضابط الشرطة المتقاعد تراوده ذكريات اليمه مرتبطة بفترة ماضية من حياته تخلي فيها عن مشاعره وعن اختياراته بسبب طبيعة عمله في جهاز الامن الذي حوله الي شيء أشبه بالاله ينفذ الأوامر بصرامه منزوعة المشاعر , يقوم علي مع بعض زملائه بمطاردة مجموعة مما وصفهم بالارهابيين واثناء عملية المداهمة يقتل احد الارهابيين صديق علي المقرب , فتتحول عدوانيته الشرفية الي عدوانية ثأريه ويقوم بقتل هذا الارهابي ليس بدافع الواجب الوطني ولكن بدافع الثأر لصديقة , فيشعر علي أنه تحول الي قاتل مارس فعل القتل العمد , فيختار بعد ذلك الابتعاد عن الحياة الدنيوية والانعزال في عالم اخر اكثر هدوء وسلام ويسعي للتكفير عن هذا الاثم بالتوبة والاتجاه الي الله , ويتقابل علي مع سالم عبيد ( محمود حميدة ) دكتور السياسة الجامعي والمفكر الكبير صاحب المؤلفات السياسية البارزة في عالم السياسة , فيستعين سالم بعلي ليروي له تجربته في مطاردة الارهابيين ومن خلال معايشته لهذه النوعية العدوانية يقوم سالم باستكمال احد اهم ابحاثة السياسية حول ظاهرة الارهاب في مصر , ولكن علي الذي لم نري اي تفاعل بينه وبين سالم عبيد لا يتمكن من استحضار التجربة الا وهي مشبعة بالالم , فينصرف عن الادلاء بشهادته ويفضل الانغماس اكثر في نسيان الماضي , في المقابل نري شخصية نورا ( ليلي سالم ) زوجة سالم عبيد , هه السيدة المستهتره الغائبة دائما عن الحياة بفعل تناولها للكحول ويأسها من اصلاح حياتها التي باعتها لاستاذها الجامعي مقابل ان تحيا هي واهلها حياة مادية ثرية , نورا التي استغنت عن الحب وقبلت بالزواج من سالم عبيد الذي يكبرها بسنوات عديدة شخصية ضائعة وتائهة تبحث دائما عما ينقصها في الحياة وهو الحب والاهتمام التي تجده سريعا في تطور علاقتها بعلي يمنحها القوة اكثر من اي وقت مضي علي التخلي عن زهو الحياة الفخمة والمضي للبدء من جديد مع من تحب , ولكن زوجها لا يعطيها الفرصة للتخلي عنه ليس بدافع الحب ولكن بدافع الوجاهة الاجتماعية بين اصدقائه فرفض ان تتركه بسبب رجل اخر , فيحاول اتهامها بالجنون ومحاولة الوشاية لقتلها , فهي تبدو كالدمية تتلقي رد افعال الشخصيات المحيطة باستسلام دون المشاركة فيها وبمنتهي السلبية والبرود الادمي وقد جسدت الوجه الجديد ليلي سالم في اولي بطولتها السينمائية شخصية نورا بانفعال املس هاديء مبالغ فيه وصل الي حد الملل , فلم يبدوا عليها اي انفعال سوي البرود الامتناهي ولا تصاعد الاحساس في مواقف تتباين فيها ردود أفعال الشخصية من خلال تطور الاحداث , اما شخصية علي النجار فقد اداها احمد الفيشاوي بشيء من الصرامة التي لا تتماشي مع مظهره ولا تكوينه مما أعطي الشخصية شيء من الكوميديا والسخرية عند مشاهدتها وخصوصا في اسلوب حديثة ونبرات صوته الذي تقمص فيها روح شخصية الممثل الراحل زكي رستم , اما سالم عبيد هذا الرجل الانتهازي الذي تخلي عن كل مبادئه مقابل حصوله علي مكانة اجتماعية مرموقة ورصيد كبير في عدة بنوك , بعدما تعرض في شبابه لعدة اعتقالات سياسية خرج منها انسان جديد حليف للسلطة , ايقن انها الجانب الاقوي والمؤثر والاسرع لتحقيق حلمه , باع القضية ووشي باصدقائه وتخلي عن افكاره واصبح من الشخصيات المرموقة في المجتمع والاهم من ذلك انه فقد احترام طلابه له وفقد هيبته وتأثيره علي الاجيال الجديدة التي جسدها لنا المخرج في مشهدين داخل قاعة المحاضرات وخارجها حيث سقط الاستاذ بعد مناقشة عقيمة مع طلابه اللذين عرضوا ارائهم بشكل واعي و اكثر فاعليه وصدق صدم سالم عبيد الذي لم يجد له مخرج من هذا الخندق تالا بادعاء المرض , فهذا هو جيل البناء الحر الذي لا يمكن مصادرة افكارهم ولا الاستهزاء برغباتهم بدعوي انهم مازالوا يتلقون العلم ممن هم لا يتمتعون بصفة الامانة في الطرح , سقطت صفة الاحترام بين سالم عبيد وبين طلابه وسقطت ايضا عنه المصداقية والثقه , وهذه النماذج من المتملقين نجدها كثيرا وفي اماكن عديدة ولكن اخطرهم هو من يملتلك سلطة المتاجرة بالعلم وخصوصا اذا كان مدون للتاريخ ومعلم للاجيال التي تثق بما يقال لها علي لسان رسول العلم وهو المعلم .


يدخل علي النجار في حياة الاستاذ وزوجته ليكشف عن حقيقة خداع كل منهم للاخر دون ان يدرك هو , فالزوجة نورا وجدت في علاقتها بعلي خيط امل ونور يربطها من جديد بالحياة من خلال تجربة علي الذي تحول من ضابط يقتل ويطارد الارهاب الي شخص هاديء مسالم يسعي للعزلة والابتعاد عن الناس , تحاول هي ايضا التخلص من رغباتها الملحة للحياة الزاهية والمضي معه في حياة اكثر بساطة وحب وامان , فيغير علي حياتها دون ان يشعر وتغير هي حياته وتجذبه من عزلته نحو علاقة تتطور سريعا الي ارتباط نفسي واحتياج عاطفي يفقده كل منهم في حياته , اما سالم فدائما يحاول المحافظة علي مظهره الاجتماعي دون الانتباه للمشاعر الانسانسية , والتي لا نشعر بها الا في علاقته مع والدته التي تعامله كالطفل , ولا يكمن تخلي سالم عن مشاعره فقط في علاقته الفاترة بزوجته ولكن نكتشف من خلال الاحداث انه تخلي عن تربية ابنه من الزوجة الامريكية لسنوات طويلة لم يتواصل معه سوي بارسال نفقاته الخاصة , يكشف لنا الفيلم نقطة غاية الاهمية وهي تخلي الانسان عن مشاعرة مقابل عدة اشياء , اولها الانخراط في العمل السياسي الذي لا يعرف للمشاعر طريق وجسدها سالم عبيد ببراعة خلال الاحداث , والبحث عن المال دون اعمال الاحساس وتمثلت في شخصية نورا الزوجة , اما شخصية علي فكان تخليه عن مشاعره مقابل واجبه في الدفاع عن الغير بقتل الغير , ولكن النهاية لم تكن كما توقعها كل منهم , في النهاية الزوجة تتمرد علي اختياراتها وتعيد حسابتها وتقرر الاستغناء عن المال في سبيل عاطفتها مع علي , اما سالم عبيد فلم يجد سبيل لأفعاله سوي الاستسلام لشيطانه اكثر واكثر وينهي حياته بيده , اما علي فيحاول ان يبدأ حياته من جديد متخليا عن احساس الذنب الذي رافقه لسنوات .

العمل الاول لأي مخرج دائما ما يحاول من خلاله رسم طريق لوجهة نظرة وارساء مظهر معين لاسلوبه القادم , من خلال هذا الفيلم الذي قدمه المخرج احمد غانم عن رواية والده , حاول ان يجتهد قدر المستطاع ليظهر العمل في صورة تليق التاريخ الادبي الطويل لوالده , وبتقديم نفسه للمره الاولي كمخرج محترف , ولكن المجهود الذي بذله المخرج في اظهار صورة الفيلم بشكل راقي ظهر في جوانب ضئيلة جدا دون سواها , فعنصر التمثيل في الفيلم كان أضعف من قدرات كل منهم علي الاداء , محمود حميدة هذا الفنان صاحب التاريخ الطويل في السينما لم يختلف كثيرا عن ادائه هذا الوجه الغامض المبتسم دائما , اما احمد الفيشاوي فلم يقدم اي جديد في ادائه الذي تشابه كثيرا مع ادائه شخصية في فيلم زي النهاردة بل وقد تطابق الاداء بين الشخصيتين , اما الوجه الجديد ليلي سالم فكان من الممكن ان يكون هذا الفيلم هو نقطة انطلاقة حقيقية لها في السينما خصوصا وان وجهها علي الشاشة يمكن تطويعة بسهولة في يد اي مخرج , لكن ادائها الاملس الخالي من اي انفعال كان نقطة تراجع كبيرة في كتابة اسمها في صفوف النجوم القادمة , نضف الي ذلك السيناريو الذي أضعف من بنية العمل بالكامل , فلم يقدم لنا السيناريو التتابع المنطقي لعدة احداث جمعت بين سالم وعلي , فالمشكلة الكبري التي تكمن في تحويل الاعمال الادبية الي افلام سينمائية هي مدي المحافظة علي استمرار نجاح هذا الاصل , وهل قدم الفيلم الرواية بنفس القيمة التي هي عليها في شكلها الادبي ام انقص من قدرها عند تحويلها الي فيلم سينمائي .
البطل الحقيقي في هذا الفيلم هي الاضاءة التي لعبت دور بارز في نقل احساس الشخصيات التي قصر في نقلها السيناريو , فمن خلال استخدام الصورة القاتمة بشكل متتالي وعبثية مدير الاضاءة باضفاء نوع من الغموض علي وجه كل شخصية باظهارها أنصاف الحقائق وكتمان النصف الاخر , فالفيلم مجملا يمثل عدة تجارب اولي في الاخراج والتمثيل وان لم يكن بالقيمة الفنية العالية لكنه يعتبر تجربة اولية يمكن تحسين مستواها فيما هو قادم .