
هل حقاً يمكن للسينما أن تغير المجتمعات وتثير الوعي عند المشاهد ,وهل تعتبر الافلام التسجيلية ذات القضايا الحية بلاغ الي من يهمه الامر , أم أن دورها فقط ينحصر في الاشارة لموضوعات قد لا يبصرها البعض وخصوصا عندما تتعلق هذه الموضوعات بالطبقة الدنيا من المجتمع والتي لا ينتبه الي تفاصيل وجودها طبقة اخري أعلي يصعب عليها اقتحام هذا العالم السفلي الا عبر وسيط وقد تلعب الافلام هذا الدور , لكنها لن تضع حياة المهمشين المنسيين فقط امام أعين الساسة او صفوة المجتمع او حتي امام الحكومات , لكن الافلام تفتح مجالاً أخر لتضامن عالمي مع أحقية هذه الطبقة الاكثر عدداً وبؤساً في الحصول علي حقها المشروع في الحياة , هذه المقدمة مجرد سؤال تبادر لذهني عقب كلمة القاها الملحق العلمي للمركز الثقافي الفرنسي بالقاهرة بعد عرض الفيلم التسجيلي جلد حي للمخرج المصري فوزي صالح , وقد أصيب كثير من الحضور خصوصاً من الجانب الفرنسي بصدمة ازاء ما عرضه الفيلم من صورة واقعية مدمرة لكل معاني الانسانية , لم يتعجب الملحق العلمي الفرنسي فقط من حياة اكثر من عشرين ألف شخص وسط بحر من المواد الكيميائية الخطرة يجري بين البيوت والورش التي تصرف مخلفاتها الكيميائية في الشارع بعد استخدامها في عملية دبغ الجلود بمنطقة المدابغ في القاهرة القديمة, والتي تؤدي الي اصابة الانسان بأنواع مختلفة من السرطان منها اللوكيميا , لكن الملحق العلمي تعجب من انه حين يقوم بتجربة كيميائية داخل معمله يلزم احتياطات تأمينية كثيفة يرافقها فحص دوري للتأكد من سلامة من يعملون في هذا المجال , فما كان من الحضور المصري سوي الرد بسخرية اعتدنا عليها من تراكم اليأس في أصلاح ما أفسده الدهر , "احنا في مصر ".
ولكن هذه السخرية تبددت في اليوم التالي لعرض الفيلم حيث عرض قبل يوم من اندلاع ثورة الشباب في الخامس والعشرون من يناير الماضي ,وتحول اليأس الي اعجاز بشري بهر العالم بأسره , وانقلب مفهوم السلبية التي التصق لعقود بمصطلح احنا في مصر , لحالة من الفخر امام العالم .
الفيلم الذي حصل به المخرج الشاب فوزي صالح في اولي تجاربه التسجيلية علي جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان ابو ظبي السينمائي العام الماضي , لا يبصق فقط في وجه المعنيين بتأمين سلامة من يعملون في مهن خطرة ينتج عن مخلفاتها تلوث بيئي ويخالف تواجدها وسط المنازل شرعية حماية البيئة والسكان , لكن الفيلم ينطلق الي عدة قضايا اخري لا تقل أهمية عن قضيىة غياب الأمن الصناعي عن مهنة دبغ الجلود , وان كانت قضية عمالة الأطفال هي الحدث الرئيسي الذي ركز عليه مخرج الفيلم من خلال الحوار , فإن الصورة كانت تسير في مجري أخر عن الحوار وتفضح أحداث أكثر أهمية وخطورة , الصورة اجبرت المشاهد علي الانصياع لها فلم يكن الحوار و حكايات الاطفال الغارقين وسط المياة الحارقة حول حياتهم الخاصة وعلاقاتهم الاسرية ونظرية الاباء في اصطحاب ابنائهم منذ سن الرابعة او الخامسة لتعلم مهنة الاب والاجداد , وتمرد بعض من الاجيال الجديدة علي الحياة خلف السور والحلم الذي يراود أحدهم بمغادرة هذا المكان اي خارج السور حيث –من وجهة نظره – حياة أكثر هدوء ونظافة وأدمية , لم يكن سوي مراوغة من المخرج في عرض عدة متناقضات اهمها شكل الحياة القاسية التي يعيشها هؤلاء الاطفال والتي تعاكس احلامهم المشروعة في الحصول علي حياة نظيفة أكثر صحة , ويحسب للمخرج انه قدم جانب اخر قد يكون هو الدافع لعمل هؤلاء الاطفال في هذه المهن الخطرة , وهي الفكرة السائدة عن توريث الجهل وتوريث المهن وبشكل ساخر تلقائي علي لسان والد احد الفتيان الذي ابدي قناعته التامة لتوريث ابنه مهنته الذي ورثها هو بدوره من والده واجداده , وعلي غير العادة تخرج تهمة الفقر من صراع حوار الفيلم ,فالمخرج لم يلقي العبء وحده علي داء الفقر الذي أصبح سمة من سمات مجتمعنا المصري , لكنه وزع التهمة بين الجهل المتأصل في ثقافتنا حول مفهوم التوريث , وبين استسلام الانسان لقدره الذي يحكمه مدي وعيه بالمفهوم الصحيح للايمان , " محدش بيموت ناقص عمر " هو المفهوم الراسخ وربما الذي يلهم هؤلاء البؤساء كما وصفهم الملحق الفرنسي بالصبر علي حالهم والاقتناع انه قدرهم الذي لن ولم يتغير والمفهوم المتداول للقناعة الذي زرعه ابائهم بداخلهم الا يجب عليهم التطرف بأمالهم لابعد من خارج هذا المكان , ولم يغفل المخرج الاشارة عن سبب اخر نضيفه الي القائمة وهو انجاب الفرد لعدد كبير من الاطفال بهدف العمل و مساعدة الاسرة , وهو ايضا من الاسباب التي نضعها تحت قائمة الجهل وغياب الوعي
0 comments:
Post a Comment