Tuesday, January 24, 2012




“تحرير 2011..الطيب ..الشرس.. السياسي” .. يسقط حكم العسكر



“يسقط يسقط حكم العسكر”، الثورة مستمرة، هذا الاحساس الذي سيصيبك وانت تشاهد الجزء الأول من الفيلم التسجيلي “تحرير 2011 الطيب الشرس السياسي”،وسيتصاعد معك هذا الاحساس في الجزء الثاني،ولكن لأسباب أخري، أما الجزء الثالث فلن يتوقف الهتاف داخلك الا بعد أن يسقط العسكر.

أن تشاهد فيلماً عن ثورات قرأت عنها في كتب التاريخ،اذاً أنت متلقي عادي يشاهد عملاً سينمائياً تقيمه وفق تذوقك له، ولكن عندما تشاهد عملاً تسجيلياً يؤرخ لثورة أنت صنعتها بنفسك وكتبت بها التاريخ يصعب عليك أن تكون محايداً عند التلقي.

يسقط يسقط حكم العسكر، الهتاف الذي ضجت به قاعة المركز الثقافي الأيطالي بعد انتهاء عرض فيلم “التحرير 2011″ ضمن فعاليات مهرجان مصري أصلي الذي أفتتح أمس، وردده الحاضرون بما فيهم بعض من الجالية الايطالية التي جاءت لحضور العرض.

ثلاثة مخرجين شباب لم يصنعوا مجرد فيلماً توثيقياً عن أحداث ثورة 25 يناير، لكنهم صنعوا حالة فنية تتكامل فيما بينها، تُحمل المشاهد دون أن يشعر مسئولية نجاح الثورة،وتعيد تحفيز طاقته حتي تحقيق أهدافها.

موضوعات الفيلم الثلاثة تسأل وتجيب حتي تصل الي النتيجة، ولكن بالترتيب العكسي، في الجزء الثالث من الفيلم الذي صنعه المخرج عمرو سلامة يتساءل متي أصبح مبارك ديكتاتوراً؟،ويستثمر المخرج في هذا الجزء الأخير من الفيلم الذي غلفه بنكهة الكوميديا السوداء التي كانت إحدي سمات ثورة 25 يناير حيث استخدمها المصريون في هتافاتهم واطلاق النكات والافيهات والسخرية المغلفة بمرارة الواقع ، يستعرض سلامة في عشر خطوات اسباب تحول مبارك من قائد عسكري الي ديكتاتور سياسي،مستشهداً ببعض اراء الشخصيات التي كانت قريبة من مبارك مثل د. حسام بدراوي،وبعض الشخصيات التي تحولت الي خصوم للنظام الحاكم مثل د. البرادعي ود. علاء الأسواني والكاتب بلال فضل ود. مصطفي الفقي.

كان الجزء الأخير”صناعة الديكتاتور” هو الأكثر فكاهة بين أجزاء الفيلم الثلاثة، سرد خلالها المخرج أشهر صفات المخلوع التي تجعلك تسأل نفسك ” كيف تقبلها المصريين طوال 30 عاماً بكل هذا الجلد”، ولماذا تأخرت الثورة كل هذا الوقت، من أين جاء المصريين بكل هذا الصبر؟”.

بدأها بسخرية صبغة الشعر التي كان يحرص عليها مبارك بشكل منتظم، وهي في الواقع تزييف نفسي حاصر به الشعب لسنوات، وكانت إحدي أدوته في خداع الزمن، ثم يتعمق في دراسة نفسية الديكتاتور،الذي يحاول ربط اسمه بمصير الوطن، مستشهداً بمفردات عديدة كانت تحيط بالمصريين في كل ركن دون أن يشعروا أنها أداة تسلط وإحتلال نفسي،خلصت في نسب عدد كبير من الشوارع والمدارس والجامعات والمباني الحكومية بإسم مبارك وزوجتة وعائلته التي تحولت من ملكية عامة للشعب الي ملكية خاصة بعائلة المخلوع، ولعل هذا الجزء من الفيلم قد يفسر لنا التعلق المرضي لبعض المصريين اللذين خرجوا بعد الثورة تأييداً لمبارك، وربط وجود حاكم بعينه باستقرار الدولة، ولم يغفل فيلم ” السياسي” دور وسائل الإعلام التحريضية التي كانت تمجد الشخص كـ الاله، فهي من أهم الادوات التي رسخت في عقل الشعب لعشرات السنين فكرة الرئيس الأوحد، وإكتملت الصورة حين أقحم الفن وطوع أدواته لتمجيد الفرد، حتي أصبحت كل مؤسسات الدولة تشكل هيئتها لتناسب مقاييس الديكتاتور وعائلته.

أما الجزء الثاني “الشرس”، للمخرجة أيتن أمين، كان الجزء الأحدث والأقوي الذي تعري إعترافات أصحابه حقيقة الدولة الأمنية التي سعت لإرهاب الشعب المصري لسنوات وتحول دورها من حماية الشعب الي حماية النظام الحاكم ، وثق الفيلم عدد من شهادات رجال الأمن من مختلف القطاعات في وزارة الداخلية، منها ضابط بقطاع الامن المركزي وضابط سابق في أمن الدولة وظابط متقاعد وأخر أمين شرطة،حاول هذا الجزء الوقوف بحيادية علي الدور الأساسي الذي يلعبه الأمن وانتقلت الي ما تحول اليه ليصبح عصا ترهيب للشعب يمسك بها الحاكم، والحل الأسهل لإخماد أي صوت يخالف الرأي.

أكثر ما يميز هذ الجزء انه لم يشر بأصابع الاتهام الي أفراد الشرطة بعينهم، كونهم المسئولين عن العنف المفرط ضد الثوار، لكنه استدرجهم علي نار هادئه لكشف الجانب الأخر من شخصية رجل الأمن الذي هو في النهاية مواطن مصري حولته وظيفته الي ما يشبه الأله التي تعمل بلا عقل أو إعتراض،عبر عن الانشقاق الداخلي في نفسية رجل الشرطة بين ما يعتقد أنه يؤدي عمله وبين انسانيته ومصريته الذي عبر عنها احد أمناء الشرطة في الفيلم ” رغم أنني شعرت بالفشل في التصدي للمتظاهرين الا أنني فرحت لأني أنا الأخر تعبان من النظام،في لحظة شعرت أني لن استطع الوقوف في وجه الشعب حتي لو معايا ألف جندي أمن مركزي فشعرت باليأس”، وإن لم يصل بنا الفيلم الي درجة التعاطف معهم، تلك هي نقطة الارتكاز الذي ظلت المخرجة تتكأ عليها في توازن شديد النعومة، ظهر في صوت أيتن مخرجة الفيلم وهي تعلق علي حديث الضيوف وتناقشهم بطريقة وديه أشبه بحديث مرأة النفس التي عجزوا عن مواجتها بفعل التلقين الذي تلقوه بحكم وظيفتهم، فهم نتيجة طبيعية لمنظومة الاستبداد التي كنا نعيش فيها لسنوات.

الجزء الأول من الفيلم”الطيب”، قد يصلح أن ينفصل عن هذه الثلاثية كونه النتيجة التي خلصنا اليها من الأجزاء السابقة.

”يوميات الثورة” أو “دولة ميدان التحرير”،التي إحتوت كل أطياف الشعب المصري خلال أيام الثورة،يعرض هذا الجزء من خلال عدسة المخرج تامرعزت أهم الأحداث التي شهدها الثوار أثناء الـ18 يوم عمر الثورة، ويؤكد المخرج من خلال لقاءات عديدة من الميدان علي التكاتف والتضامن والروح التي سادت المصريين في دولة التحرير،وإن لم يقدم لنا عزت جديد في هذا الجزء سوي المادة التي تضمنها الفيلم وصورها عزت بنفسه وقت وقوع معركة الجمل وأحداث 28 يناير وغيرها من الصور التي عوضتنا استهلاك المواد المتداوله علي اليوتيوب والتي أصبحت المادة الاساسية لأي فيلم وثائقي يتحدث عن الثورة.

قد لا نستقبل هذا الجزء بشيء من الإنبهار لأننا من صنعه علي أرض الواقع، لكنه قد يستعيد فينا المشاعر التي أهدرناها علي مدار عام في انتظار النتائج التي لن تأتي بانتظارها، من سيشعر به حقاً هو من شاهدنا عن بعد نصنع التاريخ، أو ربما الأجيال القادمة التي لم تشهد ميلاد الحرية في مصر.

من أوفر الأفلام التسجيلية حظاً كان فيلم “التحرير 2011″، ليس لأنه أول فيلماً تسجيلياً يوثق للثورة المصرية بهذا الرقي الفني، ولا لمشاركته في مهرجان فينيسيا السينمائي وتمثيل اسم مصر وحصوله علي جائزة من اليونيسكو، بل لأنه فتح الباب لأول مره أمام السينما التسجيلية في مصر للعرض تجارياً، وهي التي ظلت تعاني سنوات طويلة من تهميش دورها وهويتها وتقليص مساحة عرضها علي النخبة، والتقليل من موهبة صناعها مقابل صناع الأفلام الروائية، بل جعلت منها مجرد خطوة للعبور الي السينما الروائية ، وكأنهم ليسوا فصيل فني واحد.




0 comments:

Post a Comment