Saturday, October 10, 2009

سحر ما فات في كنوز المرئيات

في مصر القديمة

علي مدار اكثر من ساعتان عاد بنا د. مدكور ثابت مخرج فيلم سحر ما فات في كنوز المرئيات الي دفاتر التاريخ ورواياته واحداثة المتشابكة وتغيراته وتطوراته السياسية من حروب وهزائم وانتصارات وانكسارات وثورات وقيام دول واندثار دول اخري , استعباد حكام واستسلام شعب لمصيره , رواية توثيقية تاريخية يهديها المخرج القدير الي السينما التسجيلية الوثائقية العربية يؤرخ فيها فترة طويلة من حياة الشعب المصري بدأها مصاحباً لبدايات ظهور السينما في العالم علي اعتبار ان الفيلم الحي النابض بالحياة والحركة يحمل مدلولات زمنية أكثر روحا وتعبيرا عن الصور الصامتة .



يعود المخرج بذاكرة السينما العربية الي اكثر من قرن مضي من خلال شرائط وثائقية عثر علي جزء منها بالبحث في ارشيف السينما المصرية والجزء الاخر عمد الي البحث عنه في لندن وباريس حيث عثر علي واحد من اهم بل اول فيلم صور حياة الشعب المصري مع بدايات صناعة السينما في العالم وهو فيلم نادر سجله الاخوان لوميير , حرصا ان تكون مصر احد المحطات التي ادخلوا اليها كاميرا التصوير السينماتوجرافي لأول مرة لتسجيل طبيعة هذه الارض وهذا الشعب , فكان هذا اول فيلم يصور في مصر وعن مصر عام 1809 , اتخذ الاخوان لوميير في هذا الفيلم ثلاث محاور غاية الاهمية , صورة المواطن المصري في منتصف القرن التاسع عشر والذي غلب علي هيئته البدوية والفقر والانصراف الي ممارسة الزراعة واتخاذها مصدرا رئيسيا للرزق والتي اشتهرت به مصر منذ عهد الفراعنة , فالاخوان لوميير اقتطفوا مشاهد للفلاحين المصريين علي ضفاف نهر النيل وعلي كوبري قصر النيل حيث يعبرون لمنافذ التجارة , صورة هادئة جدا تخلو من أي معالم للرفاهية , ثم ينتقل بنا لوميير الي المحور الثاني للفيلم يستعرضون فيه ثراء الارض والشعب المستعبد طوال الوقت من الاحتلال تارة ومن الحاكم تارة اخري بالاضافة للاقطاعيين مالكي الارض الزراعية , ومنها تصعد احداث الفيلم الي المحور الاخير وهو سرد لتاريخ بداية دخول اليهود ارض مصر القديمة ومحاولة زعزعة اقتصادها باستيلائهم علي اجزاء كبيرة من الاراضي الزراعية واستيراد العمالة اليهودية من الخارج لزراعة ارض المصريين حتي اصبح جزء كبير من الاراضي الزراعية المصرية وتحويلها الي مستعمرة يهودية صهيونية سميت في ذلك الوقت بـ كوم أمبو ومطالبتهم الحكومة باستغلال مياة نهر النيل الضائعة كحق لهم ومنها تم انشاء اول جمعية صهيونية لليهود المقيمين في مصر عام 1903 ولم تتوقف هجرة اليهود الي مصر الا عام 1907 عندما نادت الصهيونية باحتلال ارض فلسطين والهجرة اليها .

هذه اكثر الموضوعات الاساسية التي ركز عليها الاخوان لوميير في تصوير اول فيلم لهم في مصر والذي اتحفنا به الدكتور مدكور ثابت في بداية فيلمه الوثائقي عن دخول صناعة السينما الي مصر ودورها الهام في تأريخ احداث لم نكن لنراها بعد مائة عام الا من خلال اشرطة هذا الفيلم وغيره من الافلام النادرة عن التاريخ العربي , ربط بهم المخرج بين السينما والتاريخ ووضع السينما في مكانة بالغة الاهمية كوثيقة بصرية تسجل الزمن والحدث وتقف به عند لحظات حاسمة لن ينساها التاريخ , السينما القت بنا في قلب الحدث نشهد بأعيننا التاريخ ومجرياته .

ومن فيلم الاخوان لوميير يأخذنا المخرج الي وثائق سينمائية أخري سجلتها عدسة المخرج محمد بيومي الذي تمكن بإمكانياته البسيطة والمتاحه له في تلك الفترة من رصد عدة احداث سياسية مضت , وجعل من الكاميرا كائن حي يتفاعل مع الحدث يلتقط اهم واندر اللحظات التي قراءنا عنها كثيرا في كتب التاريخ , تتويج الملك فؤاد علي عرش مصر وقيام ثورة 1919 ونفي الزعماء وغليان شعب واحتلال اجنبي وغيرها من الاحداث التي عاصرتها كاميرا محمد بيومي لحظة بلحظة ومن شرائط محمد بيومي يتحقق لنا ان الفيلم الوثائقي اقدم عمرا من الفيلم الروائي فالسينما عرفت كفن من خلال لقطات واقعية للحياة اليومية ولناس عاديين , البطل الثابت في كل الافلام هو الشعب المصري فقد عمد المخرج مدكور ثابت الي ترسيخ صورة نمطية للمواطن المصري لم تتغير منذ عام 1809 وحتي نهاية الفيلم في العصر الحديث , صورة الشهيد الذي تشربت هذه الارض دماء ابنائه علي مر العصور ورغم ذلك لم ينقطع عن التصفيق بحرارة لكل من يراه صعد علي كرسي الحكم .

الي ان بلغت صناعة السينما مكانة هامة وفعالة في مصر فإنتقلت أعين صناع السينماتوجراف الي استثمار هذا النجاح وانتقلوا الي السينما التجارية والافلام الروائية الصامتة ومنها للافلام الناطقة و بدأ الشريط الوثائقي يهمل ويندثر بعد تطوير صناعة السينما رغم انه من اوائل تصنيفات انواع الافلام التي ظهرت مع ظهور الكاميرا السينماتوجراف لكنه ضاع في زحام السينما الروائية الطويلة لفترة , فاللقطات الارشيفية التي قدمها المخرج مدكور ثابت في فيلمه بعد سلسلة افلام المخرج محمد بيومي عبارة عن تجميعات لبعض اللقطات الحية من عدة افلام روائية تحمل سمة واحدة وهي واقعية المكان حيث شوارع القاهرة القديمة وحاراتها , والصاقها معاً لتعطي ملمح تاريخي عن فترة معينة اهملت فيها صناعة الفيلم الوثائقي , فمن حسن الحظ ان تلك الفترة سادت فيها افلام الواقعية التي نقلت الاجواء الشعبية بكل معالمها فكان تعويض غير مباشر عن حالة الفقر التي اصابت الفيلم الوثائقي .

ويمتد المخرج في سحر المشاهد داخل هذا الفيلم وكأن السحر انصب في رصد التاريخ السياسي المرير من عام 1809 وحتي العصر الحديث , بعد عرض فيلم الاخوان لوميير توقعت ان يستكمل المخرج تطور صناعة السينما في مصر واهم الاشرطة النادرة التي صورت واوائل الاعمال السينمائية التي انتجت وكيف اتخذت السينما المصرية مكانة عربية هامة ولكن المخرج وجد في تأريخ الحدث السياسي من وجهة نظر سينمائية سحر اكبر واشمل .

رغم ان السحر في هذا الفيلم ينتهي بالنسبة لي عند عام 1936 بنهاية حكم الملك فؤاد وبداية عهد الملك فاروق وما تبعه بعد ذلك من مأسي متعددة الا ان الفيلم يعتبر بكل الاحوال تحفة سينمائية شاملة ووثيقة بصرية تحاكي تاريخ امة علي امتداد اكثر من قرن مضي

Friday, July 31, 2009

إحكي يا شهرذاد ..



ينتابك شعور غريب عند متابعة أحداث فيلم إحكي يا شهرذاد , إحساس يدفع بالمشاهد سواء كان رجلاً أو إمرأة أن يعتلي الكرسي المجاور لكرسي المذيعة هبه التي تجسد دورها الفنانة مني ذكي لتغمض عينيك عن اي حاضر وتغوص في اعماق الذات المنسية وتقف لدقائق أمام نفسك لتواجهها بكل نواقصها واخطائها .

إحكي يا شهرذاد رواية ممتدة لعدة تجارب إنسانية تجمع ما بين عالم المرأه وعالم الرجل من خلال جانب واحد ورؤية واحدة هي عين شهرذاد السردية التي إنتقاها الكاتب وحيد حامد لتقود دفة الاحداث صعودا وهبوطا ولكن دون أن يتحيز الكاتب لطرف معين مقابل الطرف الاخر أو يغالي في تحميل المسئولية كاملة وارتكاب الخطأ لطرف واحد فقط من أطراف العلاقة المزدوجة والمعقدة جداً بين الرجل والمرأه , فلكل حكاية ظروف وجوانب وملامح مختللفة وتفاصيل تختص بها وحدها عن غيرها ولا يمنع من وجود متشابهات أحيانا في هيكل المعاناة الخارجية لكن لا يوجد تطابق مطلق بين كل قصة واخري , فحواء قادرة أن تجسد كل ليلة في علاقتها بالرجل شخصية غريبة وجديدة علي مسامعنا , لا يدرك ابعادها جيدا الطرف الاخر الذي يصعب عليه احيانا التسلل لعقل المرأه وادراك غايتها وهدفها ونواياها الحقيقية تجاهه .

الكاتب وحيد حامد تمكن من خلال خبرته الطويلة في عالم الكتابة السينمائية أن يحترف تشخيص إحساس النماذج الحية من حولة وإختزال ردود أفعالهم لتظهر لنا بعد ذلك بنمط جديد من خلال السطور في أعماله كشخصيات واقعية تنبض بالحياة نشعر بحيويتها ووجود مشابه لها في واقعنا وأحيانا تتطابق مع شخصياتنا الذاتية في كثير من المواقف .

إحكي يا شهرذاد مجموعة من القصص النفسية لبعض السيدات الاتي تعرضن لظروف إجتماعية قاسية وضغوط جنسية دفعت ببعض منهن الي ارتكاب الفاحشة والي ارتكاب الجرائم او الي الانعزال عن العالم الذكوري او الي الانقسام البدني والنفسي لإرضاء قطيع من مجتمع تميز بالاذدواجية في تصرفاته وتضخيمه لصغائر الاشياء , هبه (مني ذكي ) مذيعة برنامج توك شو بأحد الفضائيات وهي ايضاً زوجة لأحد الصحفيين الذي يطمع ويسعي لهدمها وتحويل نجاحها الجماهيري في تقديم المواضيع السياسية الي ركام يقف فوقه ليعتلي سلم النجاح دون بذل مجهود أو تضييع للوقت , فيطلب منها الانصراف عن عرض مثل هذه الموضوعات التي تثير غضب المسئولين مما يدفعهم الي تأخير فرصتة ان يصبح رئيس تحرير احد الصحف القومية الهامة , فتنصاع هبه لرغبة الزوج الاناني وتحاول الابتعاد عن كل ما هو سياسي بحت في عملها وتتجه لفتح مواضيع جديدة , اكثر انسانية واجتماعية تعبر عن الهموم التي تجتاح حياة النساء لكنها كلما حاولت الابتعاد عن المأسي السياسية والاندماج في المشاكل الاجتماعية كلما اقتربت اكثر واكثر من اوضاع سياسية مختبئه في رداء اجتماعي تعجز عن اخفاء وجوده الواضح , حتي يفاجئها زوجها بعبارته المباشرة ان السياسة تدخل في كل شيء حولنا , اذاً الي اين ستهرب هبه فهي تدور مع ضيوفها في حلقات مفرغة يعزلها عن الخارج جدار صلب لا يسمع داخله سوي صدي لصوت شكواهن .



النموذج الاول في عالم سرد شهرذاد هو نموذج العانس التي تجاوز عمرها سن الزواج وتقيم بعد بلوغها الخمسين في مصحة نفسية أملاً في كسر إحساس الوحدة والضياع الذي لحق بها وطاردها في كل مرة ترفض فيها أن تكون عارضة لانوثتها داخل فاترينة يشتهيها الرجال , سوسن بدر قدمت هذه الشخصية بتنوع إحساسها بين الفرح والالم والحزن والتردد والاضطراب بطريقة هادئة جدا في العرض وعنيفة جدا في الاحساس , نموذج المرأه الجميلة المثقفة المرأة العاملة التي تأبي الحياة الشكلية مع رجل لن يقدم لها في الحياة سوي فحولته , مفتقداً أهم ما تبحث عنه النساء في الطرف الاخر وهو الامان النفسي وليس كبح شهواتها وقت اللزوم .



أما النموذج الثاني والذي أشهد أن المؤلف قدمه بكل محايدة وتوازن في صنع النهاية له هو نموذج صفاء ( رحاب الجمل ) , صفاء الاخت الكبري لشقيقاتها الاخريات تدفعها كرامتها كأنثي تعرضت للخيانة والغدر قبل ان يدفعها احساس المسئولية تجاه اخواتها , الي الانتقام من الرجل التي وهبته نفسها بعد ان تكتشف غدره بها و بباقي اخواتها بنفس الطريقة والاسلوب, فتقتله وتشعل فيه النار داخل مشهد انتقامي مبرح ووسط حالة من الهيستيريا التي لحقت بها بعد علمها بفعلته مع شقيقاتها .

لم يعطنا الكاتب إحساس بالتعاطف مع شخصية صفاء علي أنها ضحية خداع رجل بل وضع صفاء واخواتها موضع حواء التي أخرجت أدم من الجنه بعد غوايته , فالاخوات الثلاثة كن يتسابقن بإستماتة لإثارة هذا الرجل نحوهن ولكن خفيه بعيداً عن اعين بعضهن , وصفاء نفسها الفتاة التي تبدو جادة ظاهرياً أعطته ما لم يكن يرغبه منها بكل سهولة ودون سعي منه لذلك وتباعاً كانوا اخواتها سارا علي نفس منطقها دون ان يعلم احد منهن طبيعة علاقة الاخريات به وكأنهن ولدن منحرفات بالفطرة , ربما كان يرمي الكاتب الي دفع التهمة عن الرجل والصاقها بالمرأه علي انها غاوية له وليست ضحية لخداعة وكذبه فقسم المؤلف المسئولية بين الجاني والمجني عليه دون ان نعلم من هو الجاني ومن هو المجني عليه , فأنصف في العقاب بين الرجل والمرأه , صفاء قضت خمسة عشر عاماً في السجن وهو قتل علي يدها .

شهرذاد الثالثة دكتورة اسنان من طبقة راقية جدا وغنية من طبقات المجتمع المصري ونلاحظ من خلال تصنيف المؤلف و إختياره للشخصيات تفاوت في المستوي الاجتماعي لكل شريحة تم معالجتها في الفيلم , شخصية العانس تنتمي لطبقة متوسطة وصفاء تنتمي لطبقة شعبية والان طبيبة الاسنان وزوجة احد السياسيين التي تقع فريسة لإحتيال الزوج المزيف تعد من طبقات المجتمع الراقي , فهذا التتابع يدل علي ان المرأه هي المرأه مع اختلاف مستواها المعيشي مشاكلها لم تتفاوت مع حجم ثروتها او فقرها بل المشكلة الكبري لدي كل النساء اينما كانوا هي الرجال مع تعدد الروايات وأماكنها واختلاف محتواها ومن منهم الجاني ومن المجني عليه تبقي علاقة الرجل بالمرأه جدلية لا تنتهي .

أما الشخصيتان الاخريان لحلقات البرنامج الاولي يدعوها سلمي حايك مصر , لا ادري لما فهي لا تشبه سلمي حايك لا شكلاً ولا مضموناً , فتاة مقسومة نصفان كما عبرت هي عن حالتها , تعمل بائعة في احد محلات العطور الراقية نراها ترتدي القصير والمكشوف وعندما تتبعها عيون الكاميرا في رحلة عودتها لمنزلها داخل احد الاحياء الشعبية جدا التي ترفض هذا النمط الغربي , بل يلزم سكانه بإتباع عادات وتقاليد متدينة حفاظاً علي شرقيتهم , فتتحول سلمي الي فتاة محجبة وملتزمة فور دخولها من هذا الباب وتصبح صورة ممسوخة للنموذج الأمثل الذي يقبل به مجتمعها والحي التي تسكنه , سرد سريع للشخصية التي لم يكمل ملامحها المؤلف بل تركها مطموسة المعالم دون استعراض لتفاصيل اكثر و الاشارة الي اساس المشكلة التي تضعف قوي سلمي وتجعلها تقسم الي شطرين , فلا يهم لأن اسباب هذا الانقسام بديهية ومعروفة فهذا الشكل ليس غريب علينا ولا علي المجتمع العربي بشكل عام ويكفي الاشارة اليه سريعا حتي لا يكون تكرار مستهلك او موضوع لاستنفار شريحة تنتظر اقل تفصيلة لتهيج علي صانعها بإسم الدين , فقضية حجاب المرأه لإرضاء المجتمع وحده دون الله لم تعد غريبة علينا ولو يتوقف مفهومنا للحجاب عند غطاء الشعر لتحولت الي ظاهرة دينية عادية لمجتمع متدين وليست ظاهرة سينمائية ولكن ما قصده الكاتب كما ذكر في حواره ان الغطاء الحقيقي الذي نتجادل فيه ونحاول ازالته هو حجاب العقل وليس حجاب الرأس .

هبه مقدمة البرنامج تحولت في نهايته الي احد النماذج المجاورة لها في الحلقة بعد ازلال زوجها وإهانته لها ضرباً حتي تشويه وجهها الذي هو رأس مالها الحقيقي امام الشاشة وعمد الي ذلك ليطيح بهذا النجاح غيرة وانتقام وأنانية سببها له فشله في الوصول الي كرسي رئيس التحرير محملاً اياها المسئولية عن هذا الفشل , فتقود هبه حلقتها الاخيرة من علي كرسي الضيوف كمثال حي ضد هذا العنف الزوجي , ليست كمذيعة بل كإمرأه حالها حال كل الضيوف السابقين انثي لم تشفع لها شهرتها ولا نجاحها بالتخلي عن ممارسة الجريمة الانسانية ضدها لتأكيد الارتباط علي ان حياة المرأه وعلاقتها بالرجل لا تخضع لأي معايير طبقية سواء نجاح او شهرة او ثراء او ثقافة او جهل , فالرجل هو الرجل والمرأه هي المرأه ان كانوا ملوكاً او جاهلين , هي نفس المرأه وهو ذاته الرجل داخل كل بيت مغلق يخفي توترات وعلاقات واسرار لم ولن ندركها كاملة مهما وصل بنا العلم والبحث والثقافة والتحليل .

المخرج يسري نصر الله إتهم كثيراً بغموض إسلوبه في سرد أفلامة سواء في السيناريو او في إتباعة لتكنيك إخراج فني محترف يصعب علي المشاهد البسيط استيعابه , هذا ما جعل منه مخرجاً له بصمة متميزة ومختلفة عن كل مخرجين جيله , نراه هنا ايضاً في بعض المشاهد لم يتخلي نهائياً عن هذا المنطق ولكن الفكرة الاساسية للسيناريو واضحة لكل أصناف المشاهدين رغم محاولات يسري المستميتة في مزجه بين اسلوبه وبين سيناريو الفيلم لكن الكاتب وضعه دون ان يدرك في التزام تام بعدم تغريب الاحداث فلم يستطع المخرج هذه المرة أن يصنع عملاً فنياً لا يستوعبه سوي النقاد , لكنه ولأول مره صنع عملاً جماهيرياً ونقدياً وتجارياً متعادل البناء ولكن لا يخلو الفيلم بالطبع من اسلوب المخرج الذي إعتدنا عليه والشعور به من اول مشهد يظهر لنا علي الشاشة , فإن لم يكن قد وضع إسلوبة الفلسفي علي السيناريو لكنه تركه علي باقي العمل , اسلوب متفرد لا يشبه أحد في توظيف اللقطات وتكنيك الصورة والاضاءة المبهرة الناعمة والغامضة لبعض الوقت وأخيراً إكتشافة لروح جديدة تمتع بها اداء جميع طاقم العمل , وجوه رغم احترافها التمثيل الا اننا وجدناها بشكل مختلف في اعادة اكتشاف انفعالات واسلوب مبتكر لأدائهم علي الشاشة , فقد حقق المخرج الكبير يسري نصر الله معادلة صعبة لم نلمسها في اعماله السابقة وهي تقديمه لعملاً سينمائياً يرضي جميع الاطراف , النقاد والجمهور والمنتج والسوق السينمائي.

يؤكد وحيد حامد في هذا الفيلم أن المرأه ليست كائن ضعيف كما يظنها الرجل بل هي كائن يفكر ويقرر كائن حر بإختياراته ويقوي الدفاع عن نفسه ضد ظلم وغدر الرجال بل وتعاود بعد ذلك مواصلة الحياة من جديد , فالمرأه تقرر الوحدة وتتخلي عن انوثتها والمرأه تقتل الخائن دفاعا عن شرفها والمرأه تحتج علي الظلم وتتحايل علي اذدواجية المجتمع الشرقي والمرأه تواجة العنف والقهر , وجهة نظر ذكورية قدمها لنا بحيادية كل من وحيد حامد ويسري نصر الله , تحية لهم .


Saturday, July 18, 2009

الفرح .. فيلم مصري خالص




بدون اي افتكاسات فنية أو مطاردات دموية أو إذلال لصورة الانسان المطحون بالفقر ودون استباحة لتشويه سكان احضان الجبال التي تلتف حول اطراف مدينة القاهرة يمكن لاي مشاهد ان يستحضر روح الحارة الشعبية المصرية التي إعتادنا ان نراها متجسدة في شخصيات وأماكن روايات نجيب محفوظ وكاميرا صلاح ابو سيف , هذا الترابط الانساني واندفاع حماس الشهامة والتمسك بالتقاليد الشعبية البسيطة وان اعتبرها البعض تخلف وتأخر مصاحب لوضع الجهل والفقر , فأعمال محفوظ كانت تعكس انفاس المجتمع المصري من خلال ثقب ضيق لباب يخبء خلفه روايات لن يستطيع توثيقها سوي الادب العربي والشعبي والتي حققت السينما لهم انتشاراً واسعاً ليس فقط في مصر والوطن العربي ولكن في العالم كله , فمن لا يدرك ملامح الحارة الشعبية المصرية جيداً يمكنه البحث بين تاريخ السينما المصرية ليجد صورة حية تحل له لغز لم يعرفه ولم يشهده من قبل , اعمال الراحل صلاح ابو سيف اتخذت من نهر الصور المحفوظية كل ما لذ وطاب واعادت برمجتها من جديد وما يتناسب مع هوية الفيلم ليبقي لنا تراث زاخر من الافلام التي تميزت بها السينما المصرية وتركت علامة خاصة لدي العالم العربي والغربي عن صورة الانسان المصري البسيط .

الفرح فيلم دخل سباق المنافسة لهذا الموسم الصيفي , يعلن بحماس شديد عن صحوة فنية تأخرت كثيراً لاستكمال ما بدأته السينما المصرية في الاربعينات والخمسينات من افلام الواقعية ولكنه يستكملها بصورة عصرية تواصل علي نفس منهج ما بداه كبار مخرجي الواقعية اللذين اثبتوا ان هذا التيار هو الاقرب لقلب وعقل واحساس المشاهد وعلامة فارقة في نجاح الفيلم .

الفرح سحب البساط من تحت أقدام العديد من الافلام المتنافسة معه هذا العام والتي تكلف انتاج الكثير منها مبالغ كبيرة لكنها لم تحظي بالجودة الفنية المطلوبة والتي تناسب حجم انتاجها الضخم , الفرح رواية شعبية جداً لحدث واقعي نجح فيه المخرج بتصوير الحارة المصرية بإسلوب يعطي لمن لم يشهدها من قبل انطباع التعايش الزماني والمكاني مع الشخصيات والاحداث دون ارهاق لعقل المشاهد في التفكير واستنتاج غاية المخرج التي تبدو غريبة ومبهمة في بداية الفيلم , وان يبدو المعني العام للوهلة الاولي نوع من الفانتازيا الاجتماعية لبيئة ضحلة يحدها الجهل من كل زاوية , الفرح فيلم شعبي وان لم يكن هذا النوع قد ادرج ضمن قائمة تصنيف انواع الافلام السينمائية فهذا العمل ربما يزيد تصنيفاً جديداً لقائمة انواع الافلام السينمائية , وهي الافلام الشعبية التي تعرض الطقوس الشعبية وممارسة مثل هذه الموروثات بشكل طقسي جعله الكثير في مقام التدين فهناك العديد من هذه الافلام التي لم تحظي بالشهرة والانتشار الكاف تكسر حاجز بصيرة الانسان بين الجهل والعام وتصنيف العادات والتقاليد علي انها من صنع الانسان قابلة للتجاهل والتغيير في وجود العقل والعلم , فلماذا لا تحظي مثل هذه الاعمال ومنها الفرح بتصنيف جديد لانواع الافلام السينمائية كأفلام شعبية .

الفرح مشهد من احد الحارات المصرية التي بدات تتأكل بفعل الحداثة , فلهث وراء أنقاضها الكاتب أحمد عبد الله مستخلصاً احد التابلوهات الخاصة بهذه البيئة واستخلص مفردات أثري بها حوار الفيلم تلاعب بها وخلق لغة وسيطة فريدة من نوعها تجمع بين لغة الشارع ولغة الاحساس الراقية , لم نشهد الفاظاً بذيئة نخجل منها او نتنكر لوجودها بيننا رغم ان الاحداث كلها تقع داخل مجمتع يحكمه الجهل الخالص ولكن الكاتب تمكن من الافلات سريعا من هذا النمط السائد علي حوار المهمشين والتحايل علي الالفاظ وتهذيبها بحرص حتي لا تبدو ملفقة ومصطنعة فحافظ علي طبيعة الحوار وفي نفس الوقت حافظ علي حياء شاشة العرض ومصداقيتها وقدم لنا علي طبق من الاحترام لغة شعبية مهذبة



الفرح طقس شعبي اعتاد اقامتة سكان الاحياء الشعبية كحل افتراضي للخروج من ازماتهم المادية , ودون وقوع في الخلط بين مصطلح الفرح المعتاد وهو الاحتفال بالزواج وبين الفرح هنا الذي يحمل ابعاد وطابع اخر بعيدة عن هدف الاحتفال بعروسين , تدور احداث الفرح حول زينهم الذي يلخص احلامه في الحصول علي سيارة نقل ركاب ليعيش ويربي اولاده من عمله عليها ولكنه لن يتمكن من جمع ثمن حلمه الا من خلال إقامة فرح وهمي يجمع من خلال ( النقطة ) التي سيلقيها اصدقائه كتحيه له في فرح اخته الوهمية التي إستأجرها زينهم هي وخطيبها ليكمل صورة الفرح بوجود عريسان مزيفين , ويأتي الخطيبان للمضي في عرس لا ينتمون اليه لكنهم يحلمون انهم امتلكوا الارض والوقت ليقيموا عرسهم الحقيقي بعد سنوات من الخطوبة المعذبة التي تنهش في كل لحظة منها غريزة الجنس جسديهما معاً ليقعا في الخطيئة وهما زوجان لكنها تحسب عليهم كارثة لن تختبيء امام اعين الناس طالما لم يجمعهم بيت واحد بعد .



جميلة العروس المزيفة ضحية الوقت والغريزة تواجة الناس بفعلتها مع خطيبها الذي يحاول انقاذ شرف زوجته وسمعتها قبل استكمال الفرح ولكن الظروف تحول دون ذلك ويمضي الخطيب مستغيثا بالشرع الذي ازاحته العادات والتقاليد الي المرتبة الثانية , فهي في الواقع زوجتة ولا تعتبر فعلتهم خطيئة بقدر ما ينظر لها الناس علي انها مصيبة اجتماعية وعار اخلاقي .

ويعود زينهم لاستكمال الفرح بعد رحيل العروسان من الصوان الخاص بالاحتفال يعود ليجمع المال من جيوب المعازيم , المال هو دين علي الجميع او جمعية كما اسماها المؤلف تعود علي كل منهم مرة بالدفع ومرة بالقبض من فرح الي فرح ومن نقطة الي نقطة فاليوم عند زينهم وغدا علي زينهم وهكذا .


الفنانة كريمة مختار وهي والدة زينهم صاحب الفرح لا تتحرك ساكنة من مقعدها داخل منزل ابنها ومع ذلك فهي العصب الاساسي للاحداث , إمرأه مسنة تدرك غاية ابنها ومقصدة من هذه اللعبة فتساعده بكل ما لديها من عافية وتمنحه ما بين يدها من مال لسداد تكاليف اقامة الفرح , ويأتي حوارها التلقائي البسيط بينها وبين الراقصة التي إستأجرها ابنها لتحيي الفرح طوق نجاة يقطع علي الراقصة التي تجاوز عمرها سن الرقص اي تفكير للمضي في استكمال هذا العمل , شخصية ساحرة يتحرك بجوارها الحدث وهي ساكنة في زاوية صغيرة من هذا البيت المهلهل التي تسكنه مع ابنها وزوجته واولاده , وتتوالي الاحداث الجانبية علي هامش الفرح من سميرة بائعة البيرة البنت التي دفعتها قواعد السوق الي التنكر من انوثتها واخفائها والتشبه بأفعال وهيئة الرجال في كل تصرفاتها خوفا من طمع الفتنه بها , انثي خدرت احساسها الطبيعي في الحياة الي ان جاء حسن احد معازيم الفرح جاء ليشعل بداخلها ناراً خامدة لم تنطفيء سوي بقتله علي يديها بعد محاولته اغتصابها .

تبدو احداث الفيلم هادئة الي ان يفاجأنا المخرج بواقعة وفاة الأم والدة زين

هم التي تقسم الاحداث الي زمانين مختلفين الشكل والمعني , شكل فني غريب استخدمه المخرج وهو تغيير الحدث بما يناسب الفرد بمعني استدراكه للمشاهد ومفاجأته له في نهاية الفيلم باستعراض نهايتين متضادتين للاحداث , وعلي كل منا ان يختار الانسب له فالاحداث تنفصل بعد وفاة الام الي طريقين الاول استمرار زينهم في لعبتة بعد موت والدته وجمع المال لتحقيق حلمه , اما النهاية الثانية استسلام زينهم لضياع حلمه و لصرخة زوجتة التي تهز كيان الحارة معلنة انقلاب الفرح الي خاتمة عزاء .


مجموعة عمل نموذجية اعاد ادارتها من جديد المخرج سامح عبد العزيز بعد أن قدمهم العام الماضي في فيلم كبارية , اعادنا سامح بهذه التجربة الي التجارب السابقة لمجموعات العمل الواحد والتكتلات الفنية المصاحبة للمخرج في كل فيلم , أرجعها البعض لمرونة التعامل فيما بين الفريق الواحد ولكن دون الوقوع في التكرار والنمطية , فريق فني عمل المخرج علي تغيير شكلهم الفني بين كل عمل واخر فمنهم اسماء محترفه للتمثيل ومنهم وجوه جديدة , الجميع عرضه سامح في الفرح بشكل مختلف وجديد رغم فارق الخبرات المتفاوت بين الاجيال خلق المخرج حالة من الذوبان الفني بين نجوم الاجيال المختلفة وأعطاهم مفاتيح ذهبية لمعايشة الحالات المختلفة للشخصيات من خلال ادارته المحكمة لكل وجه منهم امام شاشة الكاميرا , انعكست أثارها علي العمل في مجمله .


Monday, June 29, 2009

دكان شحاتة : كلاكيت تاني مرة

إستكمالاً لقراءة جديد المخرج خالد يوسف

دكان شحاته

ماض مخجل ومستقبل أسود

خاص بالشرق الأوسط :

شخصية المخرج خالد يوسف وراء كل أعماله



ربط المخرج خالد يوسف بين الماضي والحاضر والمستقبل من خلال أحداث فيلمه الجديد «دكان شحاتة»، الذي يعرض حاليا في مصر. فقد بدأ خالد فيلمه برسم صورة قاتمة لمستقبل يطغى عليه السواد، مستعرضا ملامح لمجتمع تآكل من كثرة انتشار الفقر والظلم فيه. إنه يقدم لنا ملامح لصورة مأساوية متجاوزا الحاضر وصولا لعام 2013 من خلال مشهد سطو مسلح يقوم به بعض المواطنين على قطار يحمل شحنة قمح، ويحاولون الاستيلاء على ما كل ما فيه بشكل عشوائي مخيف يقودهم إليه الجوع والفقر والحرمان، وهي صورة تحذيرية صنعتها مخيلة المخرج والكاتب لما سيكون عليه الشعب المصري بعد أربع سنوات إذا استمر بنا الحال على هذا المنوال. انطلاقا من هذا المشهد الصادم تبدأ أحداث الفيلم، حيث يتوقف الزمن عند خروج شحاتة من سجنه وتعود بنا الأحداث بشكل عكسي إلى ثلاثين عاما مضت مستعرضا من خلال مانشيتات وعناوين الصحف القومية أبرز ما مر على الشعب المصري من كوارث سياسية واقتصادية وصولا إلى حدث يعتبر نقطة فاصلة في حياة المصريين عام 1981 حين اغتيل الرئيس السادات 1981 بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، وما تبع ذلك من تغيرات جذرية سياسية واقتصادية واجتماعية من ظهور طبقات واندثار طبقات أخرى، ووقوع أحداث وكوارث إنسانية، وانتشار جرائم وأمراض لم نعرفها من قبل، واشتعال حروب وخراب ودمار. صور اقتطعتها كاميرا المخرج من التاريخ المصري والعربي وانتقى الأكثر حزنا وتأثيرا على المشاهد وكأنها رسالة تخمين لمستقبلنا ورسالة تنبيه لحاضرنا ورسالة تذكير بماضينا المخجل الذي مازلنا نحيا في تبعاته إلى اليوم، ولن نستطيع الخروج من دائرته ولا بعد مائة عام كما جاء على لسان المناضل السياسي الذي يعمل عنده والد شحاتة.

من داخل بيت هذا الأخير، تدور الأحداث، حيث أسرة بسيطة جاءت من صعيد مصر، أب وأربعة أبناء، من بينهم طفل رضيع أنجبه أبوهم من زوجته الثانية، التي توفيت بعد ولادته مباشرة. وشحاتة هو أصغر إخوته، الطفل المدلل من أبيه مما يثير غيرة أبنائه الآخرين. ويزيد الأمر سوءا، إطلاق اسمه على الدكان الذي وهبه له الشخص الذي يعمل عنده تقديرا لخدمته، فاشتعلت الحرب بينه وبين إخوته طوال الأحداث ووصلت إلى ذروتها بعد موت الأب، فسلبوه حقوقه وألقوا به في السجن وانتزعوا منه خطيبته التي تزوجها أخوه، وأخيرا قتلوه


دائما نبحث في أعمال خالد يوسف عن ما وراء الأحداث الظاهرة، وإن كانت أغلب مشاهده تأتي مباشرة صادمة وعنيفة وأحيانا مبالغا فيها. وقد اشتهر هذا المخرج بميوله اليسارية، متخذا شاشة السينما منبرا له ليعرض وجهة نظره، سواء كانت مع أو ضد الأوضاع القائمة. فشخصية خالد يوسف هي المفتاح الأمثل لقراءة أي عمل فني يحمل توقيعه. وهكذا نجد أن شخصيته الرئيسية، شحاتة، هي نموذج مصغر لحكاية شعبية كانت ولا تزال جزءا من التاريخ المصري والعربي المعاصر. إنه المواطن المسحوق المتهاون في حقوقه، وتكمن قوته في باطنه، لكنها طاقة عكسية خامدة لا تتفاعل بسهولة مع الحدث، فأقل الأشياء ترضيها وأبسط الكلمات تسعدها. وهي لا تشغل نفسها بالتفكير بالمستقبل، قدر معايشتها اللحظة ما دامت تملك قوت يومها، مستعينة على البلاء والفقر بالإيمان والرضا الداخلي، صفات اتسمت بها الشخصية المصرية البسيطة، اختزلها خالد يوسف في شحاتة ونصبه كبطل شعبي يهوي الحفاظ على ميراث أبيه الاجتماعي وإن كان على حساب ميراثه المادي

البطل في هذا العمل ليس فردا معينا، ولكن البطل الحقيقي هي الفكرة والموضوع المثير للجدل. وبالطبع، ظلم الإخوة لبعضهم البعض فكرة ليست جديدة على السينما المصرية بل تناولتها بعض الأفلام القديمة، ولكن قدمها المخرج خالد يوسف بفكر جديد بربط الأحداث بالوقائع السياسية العامة، وإن كانت تحمل الكثير من المبالغات السردية التي لا تمت للحكاية الأصلية بأي صلة، فكثير من المشاهد تبدو مقحمة على الحدث وخصوصا مشاهد التزوير في الانتخابات ومشاهد السطو على المنازل وانعدام الأمن وانتشار الجريمة والتطرف والانحرافات الأخلاقية... الخ من صور تعكس أفكارا مكررة نمطية، بالإضافة إلى مشاهد غرامية أو سياسية مباشرة.

Sunday, June 14, 2009

إبراهيم الأبيض


يطل علينا المخرج الشاب مروان حامد في ثاني تجاربه السينمائية بعد فيلمه الاول عمارة يعقوبيان بحالة فنية إتسمت بالعنف الخالص الصريح والمبالغ فيه والتي لم تشهدها السينما المصرية بهذه الطريقة من قبل , إبراهيم الأبيض حالة فردية لا تعكس واقع لصفات الشاب المصري العادي , حتي وان كانت الفكرة إقتبستها أسرة الفيلم عن حادثة حقيقية وهي شخصية ابراهيم الابيض احد القتلة الذي وقع منذ فترة في يد الشرطة والذي يسكن احد الاحساء المصرية البسيطة , ولكن شخصية ابراهيم الحقيقية ومواقف الاحداث لا تتطابق مع السيناريو الدموي الذي حمله الفيلم , فالمؤلف لم يأخذ من شخصية ابراهيم الحقيقية سوي لقبه ابراهيم الابيض وفعله كمجرم وقاتل , اما الفيلم بشكل عام لا يمثل انعكاس لوضع فئه مهمشة من طبقات المجتمع المصري ولم يتطرق الي سرد منطقي للظروف البيئية التي يعيش فيها ويشب افراد كثيرين منها علي الجريمة والعنف وكأنها الماء والهواء بالنسبة لهم . إبراهيم في هذا العمل طفل في الثامنة من عمرة شهد مقتل والدة علي يد أحد البلطجية اللذين يسكنون الأحياء الشعبية الفقيرة في مصر بل ويسيطرون علي أهلها ويحكمون وينفذون أحكامهم بيديهم وكأننا نري كيان كامل لدولة مصغرة داخل الكيان الكلي – دولة داخل دولة – في ظل غياب او تهميش جزئي وتجاهل متعمد ربما من جانب صناع الفيلم للجبهة المضادة لهذه الامبراطورية المسلحة وهم قوات الامن التي تمثل أحد الجبهات المطادة لإبراهيم طوال الفيلم و المطاردة فقط هو الدور الرئيسي التي لعبته صفة الشرطة , محاصرة المجرمين واتباعهم دون السعي وراء منع ارتكاب الجريمة ذاتها والتي تحدث ليل نهار امام أعين الجميع . جعل المخرج لغة العنف اعلي من لغة الحوار فلا يوجد مشهد يمر دون قتل وعراك ومطاردة تنتهي بفوز البطل علي جيش كامل من الرجال , الصورة الدموية التي تجذب الشباب كانت هي المنهج الرئيسي الذي اتبعه مروان مخرج الفيلم وتبعتة حركات احمد السقا الاستعراضية التي تعودنا عليها منذ اول اعماله شورت وفانلة وكاب وتوالي تقديمها في كل عمل جديد حتي اصبحت صفة مكررة في أدائه التمثيلي يتوقعه المشاهد قبل حدوثه , ابراهيم هنا شاب بلطجي وسفاح لا يفارق السلاح الابيض يده ومن هنا جاءت شهرته باسم ابراهيم الابيض , بعد مقتل والده حاولت والدته تحفيزه ان يكون مصدر قوي يخافه الجميع حتي لا يلقي مصير والده فينشأ ابراهيم في بيئة إجرامية خالصة ويحاول أن يثبت تفوقه ويفرض تواجده بين اتباعه بإستعراض قوته البدنية وتزايد بطولاته الدموية وقلبه الميت الذي لا يعرف سوي مشاهد الدم ولهجة السلاح , هذه الشخصية التي لا تقترن بصفاتها سوي بالشيطان الادمي نراها تتحول في لمح البصر دون اي خلفية مسبقه الي انسان مرهف الحس يهوي فتاة من نفس الحي العشوائي الذي يسكنه وهي في الواقع إبنه الرجل الذي قتله ابراهيم وهو صغير والذي كان يعمل عنده في صباه , حورية هي المفتاح السحري ونقطة الضعف الوحيدة لشخصية ابراهيم تبدو هي الاخري شخصية متناقضة التصرفات تميل الي الانتقام من حبيبها ابراهيم عندما تعلم انه قاتل ابيها وفعلا تتواطيء مع اعدائه للتخلص منه والزج به في السجن لكن في تردد دائم بين المسامحة والرغبة في الثأر ولكن يتغلب احساس الثأر في النهاية علي احساس الحب فيتم قتل ابراهيم وسط الشارع وسط الناس ويظل يترنح بين الموت والحياة وينازع بقائه في الدنيا الي ان يهوي ساقطاً قاطع النفس . عبد المالك زرزور تاجر المخدرات الذي تمرد عليه ابراهيم وحاول التلاعب به فأمر رجاله بقتل ابراهيم وحرقه بمساعدة زوجتة حورية , شخصية قام بأدائها الفنان محمود عبد العزيز الذي أثبت من خلال خوضه لهذه التجربه أن الفنان الحقيقي يظل متجدداً دائماً في عطاءه واسلوبه الفني مهما كان الجيل الذي ينتمي له في دور يضيف نقطة تميز الي حصيلة انتاجه السنمائي الكبير , وليس غريباً علي هذا الفنان أن يبتكر ملامح خاصة به للشخصية التي سيؤديها في اي عمل , فالمشاهد تدرب علي أداء ثابت في الأفلام المصرية القديمة لشخصية البلطجي وتاجر المخدرات من خلال افلام صلاح ابو سيف وحسن الامام جسدها كار الممثلين كمحمود المليجي وفريد شوقي وغيرهم لكن الملامح الجديدة والاداء المبتكر الذي إنفرد به الفنان محمود عبد العزيز في تجسيده لهذا الدور بالتحديد يضعه في مصاف النجوم الملقبون بصناع الشخصيات أو النجوم أصحاب المدارس الفنية . شخصية أخري من شخصيات الفيلم تستحق ان نتوقف عند ادائها , عشري صديق إبراهيم المقرب قام بتجسيدها الفنان عمرو واكد وهو مفاجأة الفيلم الثانية , عمرو واكد فنان مازال يحمل الكثير من الطاقات الفنية التي لم يستغلها المخرجون بعد , عمرو واكد فنان واعي جداً بإلمامه بكل مفردات شخصيتة وابسط تفاصيلها من نبرة الصوت الي حركات اليد ونظرة العين , هذا الاهتمام انعكس بشكل ايجابي علي تطوير أدائه الفني في كل شخصية سينمائية يقدمها فرغم أن رصيدة السينمائي محدود لكننا لا نلمس اي تشابه بين الادوار التي قدمها , أما عشري فهي الإنطلاقة الحقيقية لعمرو واكد والتي يؤكد بها علي قدراته في مشاركة احمد السقا بطولة الفيلم , فالاثنان أبطالاُ للفيلم ومستحيل أن نصنف دور عمرو واكد بالدور الثاني المكمل لشخصية البطل . عشري او عمرو واكد هو الاخر بلطجي وقاتل صاحب ابراهيم لكنه أقل شجاعة ويمثل ايضاً مصدر حماية لابراهيم , هذا النموذج المتكرر كثيراً في الافلام المصرية , فنري البطل دائماً شجيع السيما يفتك بأسطول من الرجال بينما تابعه لابد أن ينقصه قوة وشجاعة والا كيف سيتفرد البطل بدور البطولة , عشري يهوي ابراهيم حد الطاعة العمياء والاخلاص المفرط ولكن مثل أي مبدأ يمكن ان يهتز , ينكسر إخلاص عشري أمام ضغوط المال ويوشي بصديقة ويسلمه لأعدائه ليكون في النهاية مصيرهم الموت معاً طعناً بالسلاح الابيض وسط مظاهرة شعبية من فتوات الحي ضد ابراهيم الابيض .


أحمد السقا ذاع صيته بأدائه السينمائي العنيف لأدوار لم تكن صدفة أنها جميعاً تنتمي لروح الاكشن واداء الحركات الخطرة أحيانا كالقفز من اعلي اسوار مصر القديمة او التعذيب حرقاً الخ , من الحركات التي من المعروف عن السقا أدائها بنفسه دون الاستعانه بدوبلير , مدهش أن يحب الفنان عمله حد التهور والتركيز علي أقل تفاصيلة ومتابعته الاولية لكل خطوة في العمل ولكن هل كان يستحق الفيلم كل هذه المخاطرة التي تعرض لها السقا في ابراهيم الابيض , لا يمكن ان ننكر مجهود السقا في هذا الفيلم مجهود بدني أفرط في تقديمة حد المبالغة التي جعلتنا نفلت مسار الاحداث لطول لقطات المعارك التي انتصر فيها البطل بالتأكيد جميعها , وهذا هو المجهود الوحيد الذي إستعرض به قواه , تفوقت طاقته البدنية علي طاقته التمثيلية التي سقطت منه سهوا منذ المشهد الأول فظل راكضاً طوال الأحداث وأعيننا ورائه .
طغي التمثيل البدني عند احمد السقا علي التمثيل الادائي ونسي انه ممثل في المقام الاول وليس بطل في الركض امام تجار المخدرات وافراد الشرطة , لو أضفنا الي ذلك ضعف السيناريو وأخطائه الفنية العديدة التي لا تخفي حتي عن المشاهد العادي بذلك يظل فيلم ابراهيم الابيض صورة فنية وسينمائة ناقصة , لا تحتوي علي سيناريو ولا علي اداء تمثيلي الا من بعض الشخصيات التي حملت عبء نجاح الفيلم علي عاتقها والتي سبق وذكرناها .

خاص بجريدة البيان

Thursday, May 28, 2009

دكان شحاته



منذ عرض إعلان فيلم دكان شحاته علي شاشة التليفزيون إستنتج الكثير من المشاهدين والنقاد الفكرة التي يدور حولها الفيلم وبدأت المقارنة الشكلية بينه وبين فيلم حين ميسرة وهما فيلمي للمخرج خالد يوسف , وهي تشابه فكرة اللعب علي وتر الأزمات الشعبية التي تعتزم القضاء علي المواطن المصري البسيط ولكن عند مشاهدة الفيلم دكان شحاته أدركت أن الحكم الظاهري حكم قصري وعقيم ومندفع كثيراً لمن يكتب دون ان يري , أو لمن يستنبط من ملامح شخصيات خالد يوسف اسلوبه الفني عادة في تقديم أعماله وإتخاذة خطاً محدداً في معظم افلامه , هذا الخط الذي يحمل فكر المخرج الذي يؤمن به ويحاول التعبير عنه وتجسيدة من خلال رؤيته الفنية والسينمائية التي تتيح له ذلك الانفراد , مع اختلاف مضمون كل فيلم لكنها تشير الي فكر مخرج حر لديه محتوي لفكرة ما وقضية تشغل باله يود عرضها بشكل فني راقي علينا


بعيداً عن المشاكل الرقابية والأمنية التي أحاطت بالفيلم قبل عرضه والتي تبعها إنقسام الجمهور والنقاد حول ما يقدمه الفيلم من نظرة تشاؤمية مستقبلية , هذا الانقسام الذي وصل الي حد قيام مجموعة من الشباب بإنشاء موقع خاص علي صفحة الفيس بوك بعنوان لا لفيلم دكان شحاته في دعوة لمقاطعة هذا الفيلم لأسباب لم تذكر من جانب هؤلاء الشباب وإنما من الوهلة الأولي التي نطلع فيها علي اسماء اعضاء هذه المجموعة يمكن ان ندرك الهدف الحقيقي من هذا التشنيع الغير مفهوم , وهي المعارضة العشوائية دون ابداء اي راي او اسباب مقنعة او سماع رأي الطرف الاخر بإتباع مقولة خالف تعرف , فمن لا يريد هذا العمل أو من يري به نظرة جارحة فليكتب شكواه ويجعلها موضع للنقاش العام مع صناع العمل بدل من التمتمة التي لا تجدي بل ستزيد من شهرة العمل رواجاً , فرغم ما شاهدناه من قتامة الصورة في دكان شحاته , والصورة هنا لا تعني مشاهد الفيلم بل الصورة العامة الواقعية التي يحاول البعض تداركها والتهرب من مواجهتها وجه لوجه , المسئولية الفردية في الارتقاء بكل هذه السلبيات التي يرفضها الفيلم , المسئولية كاملة لا تقع علي عاتق فردا واحداً او مجموعة أفراد لكنها حلقة متواصلة يشتد أذرها من شخص الي اخر
يعود بنا المخرج من خلال أحداث هذا الفيلم إلي ثمانية وعشرون عاماً مضوا , مستعرضاً في أولي مشاهد الفيلم بشكل مباشر أهم الكوارث التي لحقت بالمجتمع المصري ما بين عامي 1981 متجاوزاً بالصورة البصرية الحاضر وصولا لعام 2013 , الذي أبصره المخرج أنه سيكون أكثر مرارة مما نحن عليه الأن , من اذدياد للجرائم والسرقات والقتل وإنتشار البلطجة وتجارة الاطفال والتطرف الديني والعنف الاسري الي أخره من الماسي الإنسانية التي تنتظرنا حسب صورة المخرج بعد أربع سنوات من الأن , اذا لم نحاول محاصرة كل هذا الطوفان الاخلاقي ونتجنب وقوع كل هذه الاحداث جملة


يصنف البعض رؤية خالد يوسف في تجاوزه للحاضر في هذا الفيلم أنه بعد تشاؤمي محبط إن كان يدعو إلي شيء فإنه يدعو لإثارة المزيد من الفوضي ولكن لو واجهنا أنفسنا بالحقائق الفعلية لما وصلنا اليه فلماذا لا نصنف فكر هذا المخرج تصنيفاً أخر أكثر إيجابية وفاعلية بدل من السخط عليه وادارة ظهورنا له , فهو ينقل لنا جزء هام من واقع مجتمع لا يدركه الكثيرين وخصوصاً من هم بعيدين عن الاحتكاك المباشر بطبقات معينه من المجتمع التحتي أو كما يسموه قاع المجتمع , وإن كانوا يسمعون عن وجودهم , لكن الرؤية تحسم الحديث وأحياناً تغني عنه , والنقطة الأخري هي تجاوز الحاضر ووضع إفتراضات لصورة مجهولة للجميع هي المستقبل , كيف سيكون هذا المستقبل اذا لم نواجه الحاضر من الأن بكل نواقصه وسلبياته , فالاساس يمكن إصلاحة إن رغبنا في ذلك التغيير القاتم الذي عرضة الفيلم , فهو لا يقدم حلولاً سحرية ولا تنبؤات إفتراضية أتي بهم من عالم الخيال , لكنه تواصل مع الواقع الطبيعي الذي يقول اذا استمرت الفوضي علي هذا المنوال فلن يكون هناك سوي هذا القدر المنتظر الذي جمعه خالد يوسف في أخر مشاهد الفيلم , صورة فوضوية لمجتمع طبع عليه التعمق في الجهل والفقر مجتمع انقرضت منه ثقافتة ووعيه , فلو كان الفيلم قدم لنا صورة افتراضية لمستقبل مذدهر وراقي ومتحضر ثقافيا بعد عشر سنوات وليست فقط أربعة لسخرنا منه وأصبح أشبه بأفلام الخيال العلمي , فلكل شيء منطق ونتائج طبيعية تترتب علي طواهر قائمة وليست علي أحلام أو أمنيات وكلام لا يتحقق منه الا العكس , فالنهاية التي قادنا اليها الفيلم ما هي الا جهاز انذار يضعه خالد يوسف في قلوبنا للتحذير ان هناك خطأ وخطر نتحضر لمواجهتة معاً وليس فرداً فرداً

علي خطي أحداث رواية سيدنا يوسف مع أخواته تبدأ قصة الطفل شحاته الذي يولد يتيم الام ويأتي به والده إلي أحضان الاخوة الاعداء أخواته من أم أخري ويبدأون بتدبير المكائد له رغبة منهم في التخلص من هذا الدخيل المدلل وينشأ الصراع بينهم ليصل الي ذروته بموت الأب وتلفيق التهم للأخ الاصغر للإستيلاء علي ميراثه الشرعي ويتفاقم هذا السطو بسرقة اخوه الاوسط لخطيبته , وبعد مضي سنوات داخل جدران السجن يخرج شحاته كما دخل دون ادني تغيير سوي حلاقة شعرة بشكل عكسي , وهو خارج للعالم المجهول بالنسبة له , هذا المشهد بالتحديد أعطانا شعور مختلف عن تغيير شخصية شحاته الذي أوهمنا المخرج من خلاله أن سنوات الظلم داخل جدران السجن قد غيرت من صفاتة الهادئة الطيبة ولكن صدمنا المخرج بعد دقائق قليلة عندما وجدنا شحاته وبعد مضي هذه السنوات خرج من السجن بحثاً عن قطيع أخوته ليس رغبة منه بالانتقام منهم ولكن ليحاول ان يلم شملهم ويعيش تحت قدميهم من جديد , حتي عندما يفاجيء أن أخوه سرق منه خطيبتة لم يكترث لها برد فعل يتناسب مع الرواية الرومانسية الغرامية التي أكلت ثلث الفيلم تقريباً ولا يهتم أيضاً لميراثه الذي سلبه منه اخواته بل يسعي ورائهم تدفعه رغبه جامحة يغلفها صبر الانبياء علي بلواهم , فيصل بعد عدة محاولات الي هدفه ليلفظ انفاسة الاخير بين يدي اخته قبل ان يفارق الحياة علي يد شقيقة الاوسط



شحاته ليس بإنسان ضعيف أو مهزوم أو مخلول العقل , فنري قوته الجسدية تفوق قوة أشقائه بمراحل , ويفوق قوة بلطجية الوكر الشعبي الذي يسكنه , فهذه القوة العضلية الخامدة فيه والمتدفقة بعروقة لا تمثل أي تأثير علي قوته النفسية تجاه إخواته حتي يبلغ الأمر بهم أن يسعوا لقتله , صراع شحاته مع أخواته لم يكن صراع مادي في ظاهر الأمر لكنه صراع ودي لم يتخيله أشقائه فما يشغل باله هو ان يحيا وسط اسرته بحب وما يشغلهم هم هو التخلص منه حتي ولو لم يطالب بحقه في الميراث , وكان المخرج يرمز بهذه الطيبة العنيفة والمتناقضة في شخص شحاته الي الي طبيعة شعب بكامل , شعب تعود علي الصبر بلا حدود والرضا بأقل الأشياء مقابل شعورة بالامان والهدوء وتحصيلة لقوت يومه دون التفكير بغد أفضل أو أسوء , والذي يقوي هذا الفكر في التشبيه هو إصرار شخصية كرم أخو خطيبة شحاته علي دفع شحاته مرات عديدة لمواجهة أخواته والبحث عن حقه والمطالبة به والحصول عليه وإن كان في فم الأسد , فالاخ لا يكفيه أن يعطي أخته لمفتول عضلات مقطوع اللسان
أكثر ما يلفت النظر في هذا الفيلم هو إدارة المخرج خالد يوسف لكل عناصر شخصياته بإحكام مثير جداً , فالمخرج أدرك جيداً كيف يستخدم قدرات كل ممثل ويوجهها ويستغلها بأفضل صورة ليخرج الممثل أقصي ما عنده من طاقة فنية برزت متضافرة في الصورة النهائية للفيلم والتي غلفتها الموسيقي التصويرية لأشعار الاستاذ جمال بخيت في أكثر من أغنية تترجم إحساس المشهد من الداخل
والخارج
وللحديث بقية عن الدكان
خاص

Tuesday, May 26, 2009

حكايات أصبحت .. عادية


عرض للمرة الاولي بنقابة الصحفيين بعد عرضة في المهرجان القومي للسينما العام الماضي والمهرجان الدولي لساقية الصاوي الفيلم التسجيلي الطويل حكايات عادية لمخرجتة نهي المعداوي , التي اعدت له الفكرة من خلال استعانتها بشخصيات حقيقية كانت تعيش في بعض دول الخليج العربي لسنوات طويلة .
حكايات عادية هو الوصف الطبيعي لظاهرة قديمة جداً سادت معظم بيوت المجتمع المصري وهي اقامة بعض الاسر المصرية في دول الخليج العربي بهدف العمل وتحقيقاً لحلم الثراء السريع والهروب من ازمة البطالة وضعف الاجور , وكما هو حال معظم الاسر المصرية في هذا المجتمع عبرت شخصيات الفيلم عن مشاعر الوحدة والمعاناة والغربة والانتقال لطبلئع شعب مختلف في العادات والتقاليد عن مجتمعهم الاصلي , فبين المملكة العربية السعودية والكويت تنقلت شخصيات الفيلم الستة وقضت معظم ايام حياتها بين المدن الخليجية وانقسمت الاراء وخصوصا اراء الجيل الثاني وهم الابناء اللذين أقاموا رغماً عنهم مع ذوييهم في هذا المنفي الثقافي والاجتماعي دون ادني رغبه منهم في استكمل سنوات عمرهم بعيدا عن وطنهم الاصلي
فهناك بعض النماذج التي طرحها الفيلم إعتبرت دول الغربة هي وطنهم الحقيقي , فهي الأرض التي ولدوا فيها وتربوا وتعلموا ونشأوا مع اصحابهم حتي الشباب فكيف بعد كل هذي السنوات يطلب منهم ان يحسنوا الانتماء لارض اخري لا علاقة لهم بها سوي انها تملأ خانة فارغة في جواز سفرهم , أما الفئة الأخري من ابناء هؤلاء المغتربين وخصوصا في المملكة السعودية والمعروفة بتشددها الديني المتعصب وانغلاقها الثقافي والفني علي العالم , عانت الفتيات بشكل خاص بين افراد هذه الاسرة التي دفعها عمل الوالد للاقامة والانتقال بين العديد من مدن المملكة الي حالة من الانعزال النفسي عن المجتمع المحيد فكل شيء حولهم محرم ابسطها النظر من النافذة , فلم تجد هؤلاء الفتيات اي فرصة للاندماج بينها وبين هذا المجتمع عوضاً عن النظرة المتدنية التي ينظر بها هذا المجتمع للعمالة الاجنبية في بلدهم كما عبرت شخصيات الفيلم فلم تجد سوي الصد وعبارات الاحتكار في نظرة الاخر لها علي انهم مجرد مأجورين لخدمة هذا الشعب الثري .
انقسام أخر مختلف لاسرة غاب عنها الوالد طوال ستة وثلاثون عاما للعمل في الكويت بغرض توفير حياة كريمة لابنائه اللذين لم يجدوا في هذا الاغتراب عزاء بالمال فكان من اكثر مشاهد الفيلم تأثير علي المشاهدين الابنة وهي تترجي والدها البقاء دون السفر وتركهم كالايتام بلا اي مصدر للامان فالمال في نظرها لا يوفر الامان ولا وجود الاب معهم حتي وان لم يعيشوا هذه الحياة الزاهية من خلال مشهد طويل حمل نزاع انساني حزين بين الابنة والاب الذي يرفض ترك ارض احلامه والانصياع لرغبة ابناءه والبقاء معهم .
وتتوالي روايات الاغتراب علي هذا النحو ما بين مؤيد لها ومعارض , فمنهم من وجد في هذه الغربة وطناً فعلياً لهم طالما يوفر لهم كل مراسم الحياة الطبيعية فما كان عليهم سوي الذوبان في هذا المجتمع ونسيان ما مضي سواء الاباء او الابناء .
قدمت مخرجة الفيلم نهي المعداوي من خلال هذا الفيلم عدة نماذج حية مختلفة الافكار نحو تفسير مفهوم الغربة والاغتراب مقابل العمل فمنها النماذج التي استطاعت ان تحافظ علي هويتها المصرية واستطاعت ايضا ان تتكيف مع الواقع هناك علي طريقتها دون التأثير أو التأثر , كما قدمت أيضاً شخصيات لم تتمكن من حفظ هويتها ونقل هذه الهوية الي ابناءها بل ذابوا كما ذابت الفروق اللغوية بينهما وبين هذا المجتمع الغريب , لدرجة التوحد معه واعتبار انفسهم سكان هذه الارض الاصليين اللذين يقبلون ترابها فور هبوطهم علي ارضها , وهناك ايضا نموذج ثالث لم يستطع ان يتخذ لا هذا ولا ذاك الدرب بل ظلوا طوال خمسة عرش عاما انصاف مواطنيين لا يميلون الي اي جانل ولكنهم أشبه بالالات الموجهه .
العمالة المصرية في دول الخليج العربي فكرة حديثة لم تتناولها السينما المستقلة كثيراً بل يعتبر هذا العمل التسجيلي الطويل الاول في استعراض هذه الصورة بملامح مختلفة المعاني ومتنوعة الحكايات , رغم قسوة حوار الشخصيات احيانا وخصوصا الابنه غادة التي عبرت صراحة ان انتماءها الاول والاخير لوطنها الكويت التي ولدت وتربت ونشأت فيه وكرهها الكبير لاقامتها ولو لمدة شهرين في مصر بهدف زيارة الاهل , فعبرت نهي المعداوي مخرجة الفيلم ان هذا راي الشخصية رغم قسوته لكني لم احبذ محاصرة هذا الراي
فموقف غادة الصادم شعور طبيعي لا تلام عليه لكن ربما من يلام عليه هما والديها اللذين لم يستوعبوا انهم مهما عاشوا في الغربة سيبقون انصاف مواطنين لا ينتمون لهذه الارض من قريب او بعيد غير انهم غرباء لن تعتبرهم الكويت ولا اي دولة اخري مواطنين اصليين .
حكايات عادية فيلم يقدم القضية بملامح رومانسية مرحة وهادئة بعض الشيء رغم تجاوز مدة الفيلم الساعة والنصف الا انه لم يستعرض المشكلة بشكل مأساوي توثيقي ينهي ويحرم بل مجرد سرد اجتماعي بسيط أعطته الخطابات والتسجيلات الصوتية التي كان يتبادلها المغتربين مع اهلهم في مصر روح وبعد اجتماعي وانساني وليس سياسي او تعصب حول الثمن الذي يقابل هذا الطموح في الارتقاء بالحياة للافضل دون حساب النتائج .
حصد الفيلم جائزتان حتي الان الاولي جائزة سعد نديم للعمل الاول في المهرجان القومي للسينما العام الماضي والجائزة الاولي لمهرجان ساقية الصاوي للافلام المستقلة الاخير