
هذا هو الإحساس الأول الذي انتابني عند مشاهدة معظم الأعمال السينمائية التي يدعي صانعيها أنها توثق أو تخاطب الحدث الأكبر في تاريخ مصر والعالم العربي، ثورة 25 يناير ، حين أسرع الكثيرين من فناني مصر الي توثيق مشاركتهم خلال أيام الثورة في أفلام روائية أو تسجيلية،تسابقوا لعرضها في مهرجانات السينما العالمية تحت اسم الثورة المصرية،لكن الاسم لم يكن علي قدر الفعل، فالثورة المصرية التي بهرت العالم لم يستوعبها بعد الفن السينمائي بكل أنواعه سواء تسجيلي أو روائي، ولم يدرك صناعها أن المواد التي سيصدرونها الي الغرب في شكل سينمائي لن تقلل الا من نظرة الغرب لصناعة السينما في مصر، أما الثورة فتابعها العالم كله لحظة بلحظة علي الهواء خلال الفضائيات،فهم ينتظرون منكم الجانب الأخر من الثورة الذي لم تدركه عدسات مصوري وكالات الأنباء أو الفضائيات أو مراسلي الصحف العالمية، الجانب الذي ينتظر العالم كله أن يتعرف عليه ويشاهده عبر الفن والثقافة التي نصدرها اليهم
تكريم سينمائي كبير حظيت به السينما المصرية في الدورة السابقة لمهرجان كان السينمائي ، وهو الاحتفال بالثورة المصرية متمثله في عرض عمل فني سينمائي يتناغم مع طبيعة المهرجان الفنية، وقد قبلت ادارة المهرجان عرض الفيلم المصري” 18 يوم” ضمن برنامج تكريم ثورتي مصر وتونس، ولا يخفي علي غير السينمائيين الأهمية الكبيرة التي يمثلها مهرجان كان في صناعة السينما في العالم، فهو التجمع الأكبر لصناع السينما وفنانيها الذين يلهثون كل عام اليه من مشارق الأرض ومغاربها للمشاركة فيه، بل أن كبار مخرجي العالم يؤخرون عرض أفلامهم من أجل المشاركة في هذا الحدث الفني الأهم والأكبر،أي أنه قبلة سينمائي العالم كل عام،فعندما اختير فيلم 18 يوم كعمل سينمائي مصري يحتفي بالثورة المصرية التي كان ينتظر زوار مهرجان كان الاطلاع عليها بشكل فني، ظن البعض أنه الفيلم المختار الذي تناول وجه الثورة الخفي أو انه العمل الفني الثوري الذي يعبر أمام العالم عن ثورة 25 يناير، أو ربما هذا ما حاولت الدعاية الاعلانية والصحفية للفيلم إقناعنا به طوال هذه الفترة، عرض الفيلم أيضا في مهرجان ابو ظبي الدورة الماضية وفي صالات السينما الفرنسية، لكنه لم يعرض بعد في دور العرض المصرية تجارياً ، ربما لأنه تجربه مختلفة شكلاً ومضموناً ، شاهدته في عرض خاص بحضور جانب من الجالية الفرنسية وطلبة معهد السينما وصناع الفيلم وأصدقائهم ،الفيلم هو نتاج تجربة لعشرة من المخرجين مع اختلاف توجهاتهم السياسية،وهم :
المخرج يسري نصر الله والمخرج شريف البنداري والمخرجة كاملة ابو ذكري والمخرجة مريم أبو عوف والمخرج مروان حامد والمخرج شريف عرفه والمخرج محمد علي والمخرج خالد مرعي والمخرج أحمد علاء والمخرج احمد عبد الله.
بمشاركة عدد من الفنانين الشباب والأسماء اللامعة ، يسرا ومني ذكي وأحمد حلمي وعمرو واكد وأسر ياسين وهند صبري وباسم سمره وإياد نصار وأحمد فؤاد سليم والكثير من الوجوه الشابة التي أصبحت نجوم في عالم السينما المستقلة والفيلم القصير.
اختلف البعض حول الأسماء المشاركة في العمل،كون بعضهم من أتباع نظام المخلوع، اللذين غيروا دفتهم بما يتناسب مع الوضع الحالي، لكننا لا نملك أن نميز وطنية شخصيات بعينها فلها ما لها وعليها ما عليها،كل ما يجمعنا بها هو العمل الذي تقدمه ،هو من نختلف معه أو نؤيده.
فيلم” 18 يوم” كفيل بفضح ما وراء شخصياته، القصص العشرة التي تتماس مع حدث الثورة دون الخوض فيه شكلت جهة دفاع عن جانب واحد وان كان موجود حقاً في المجتمع المصري،لكن استعراضه في عشرة أعمال يزعم صناعها أنها تعبر عن الثورة المصرية، هو اما تجاهل للجانب الأهم والأشمل أو تحيز وخوف من الخوض في جبهات اخري عودتنا الرقابة في ظل النظام السابق الا نطرق اليها بشكل واضح، ولكن عمل يحاكي احداث ثورة أكثر وضوح مما يخاف صناعه ؟.
المصري المبرمج علي نظام مبارك، الذي يكسوه الخوف من التغيير،الشخصية التي لا تحلم أبعد من لقمة العيش،أو ما يسمونه مجازاً “حزب الكنبة” سجنها مخرجي الأفلام طوال الـ18 يوم داخل جدران مغلقة مصمته لا يعكر صفوها الا صوت نشرات الأخبار التي تنقل ما يحدث في ميادين مصر، ومن يقلق راحته في مناوبة اللجان الشعبية أو يخنق حريته عودته بعد موعد حظر التجول ،نفاق مصطنع وعهر فني فاضح لشخصية المصري التي بهرت العالم بقوتها وتمردها وسلميتها وفكرها التنظيمي والحضاري أيام الثورة،اختزله بعض من صناع الفيلم في شخصية كادت تتشابه ملامحها في الأفلام العشرة عدا فيلم او فيلمان،يمكن أن نفصلهما خارج هذه السلسلة المتكررة.
الافلام العشرة باستثناء فيلم”2/2″ للمخرجة مريم أبو عوف وفيلم “أشرف سبيرتو” للمخرج أحمد علاء وفيلم”خلقة ربنا” للمخرجة كاملة أبو ذكري، يمكن أن ندمجهم في فيلم واحد قصير،رؤية واحدة ونموذج للشخصية السلبية التي لم تتحرر طوال أحداث الـ18 يوم التي يضعها السيناريو في مواجهتها وحتي بعد خطاب التنحي،ففي فيلم “شباك” يستعرض يوميات شاب ينظر خلال نافذته الضيقة الي عالم جارته الواسع، ويشهد يوميات خروجها للمشاركة في احداث الثورة، ويعود بنا الي تجاهل هذا الشاب لما يحدث علي الأرض، فلا نشهد سوي استيائه من قطع خدمة الانترنت أو جهد مشاركته في اللجان الشعبية ، ومنها الي فيلم أخر يعرض نفس الصورة لزوج يرفض خروج زوجته الي ميدان التحرير ويعبر عن استياءه من السهر طوال الليل لحراسة المنزل، وننتقل الي الجد الذي يشتكي من فرض حظر التجول الذي يقوده الي النوم وحفيده داخل سيارته بالشارع لحين انتهاء موعد الحظر، وننتهي الي مريض السكر الذي يمتلك محال حياكة وسط البلد في بؤرة الحدث حيث يغلق علي نفسه المحال يوم 28 يناير خوفاً من اقتحامه أو إحراقه،ولا يخرج الا بعد خطاب التنحي ، وبعد أن نفذ دوائه.
جرعة كبيرة من التخاذل في عرض شخصية المصري أيام الثورة، لم ينقذنا منها سوي ثلاثة قصص استطاعت أن تعبر عن الوجه الأخر للثورة المصرية، أولها كان فيلم “خلقة ربنا” للمخرجة كاملة أبو ذكري وفيه تنطلق فتاة تبيع الشاي في الميدان يوم 28 يناير لملاحقة الشاب الذي يهتف علي الاعناق، فتشاركه الهتاف دون وعي حتي تصاب هي الأخري نتيجة ضرب قوات الشرطة لها، إنه نفسه الجهل والفقر الذي يدفع بشخصية البلطجي في الفيلم التالي “2/2″ للمخرجة مريم أبو عوف الي إطعام أولاده بدم الشهداء، الزاوية الأهم بين العشرة أفلام التي لم تعرضها قنوات الاخبار وقت الثورة، يقتطع الفيلم يوم من ايام الثورة وهو يوم موقعة الجمل ،من خلال شخصية “بلطجي” يستدرجه صاحبة مقابل 50 جنيه للتصدي لبعض العملاء الاجانب اللذين تجمعوا في الميدان يطالبون برحيل مبارك،هذا السيناريو الذي كان متداول في وسائل الاعلام الحكومية وفي عقل البسطاء والجهلاء ايضاً،في لحظات خاطفة أصابت المخرجة العلة وأسبابها ونتائجها، الفقر والجهل والجوع والظلم تؤدي بدورها الي العنف واللاوعي، وابهرتنا هند صبري كعادتها دائماً بمصريتها الخالصة في اداء دور السيدة المصرية التي خرجت لتوها من جحر العشش، حد تشكك بعض الحاضرين من كون تلك الممثلة حقاً هند صبري.
الفيلم الأخير الذي استطاع الهرب من سلسلة الانكسارات التي قدمتها الأفلام الأخري هو فيلم ” أشرف سبيرتو” للمخرج أحمد علاء، الذي يستحق التذكير به ايضاً.
معظم الأفلام التي قدمت حدث الثورة، قدمته علي استحياء ومن ثقب ضيق لا يتوازي مع أهمية الحدث، لم يتحرروا بعد قيود الماضي عليهم،لا أدري هل تعاني السينما المصرية من مشكلة ابداعية، أم مشكلة ثقافية ، أو أن وعي سينمائينا لم يصل بعد الي مرحلة النضج الذي وصلت اليه الثورة المصرية



