في مصر القديمة
علي مدار اكثر من ساعتان عاد بنا د. مدكور ثابت مخرج فيلم سحر ما فات في كنوز المرئيات الي دفاتر التاريخ ورواياته واحداثة المتشابكة وتغيراته وتطوراته السياسية من حروب وهزائم وانتصارات وانكسارات وثورات وقيام دول واندثار دول اخري , استعباد حكام واستسلام شعب لمصيره , رواية توثيقية تاريخية يهديها المخرج القدير الي السينما التسجيلية الوثائقية العربية يؤرخ فيها فترة طويلة من حياة الشعب المصري بدأها مصاحباً لبدايات ظهور السينما في العالم علي اعتبار ان الفيلم الحي النابض بالحياة والحركة يحمل مدلولات زمنية أكثر روحا وتعبيرا عن الصور الصامتة .
يعود المخرج بذاكرة السينما العربية الي اكثر من قرن مضي من خلال شرائط وثائقية عثر علي جزء منها بالبحث في ارشيف السينما المصرية والجزء الاخر عمد الي البحث عنه في لندن وباريس حيث عثر علي واحد من اهم بل اول فيلم صور حياة الشعب المصري مع بدايات صناعة السينما في العالم وهو فيلم نادر سجله الاخوان لوميير , حرصا ان تكون مصر احد المحطات التي ادخلوا اليها كاميرا التصوير السينماتوجرافي لأول مرة لتسجيل طبيعة هذه الارض وهذا الشعب , فكان هذا اول فيلم يصور في مصر وعن مصر عام 1809 , اتخذ الاخوان لوميير في هذا الفيلم ثلاث محاور غاية الاهمية , صورة المواطن المصري في منتصف القرن التاسع عشر والذي غلب علي هيئته البدوية والفقر والانصراف الي ممارسة الزراعة واتخاذها مصدرا رئيسيا للرزق والتي اشتهرت به مصر منذ عهد الفراعنة , فالاخوان لوميير اقتطفوا مشاهد للفلاحين المصريين علي ضفاف نهر النيل وعلي كوبري قصر النيل حيث يعبرون لمنافذ التجارة , صورة هادئة جدا تخلو من أي معالم للرفاهية , ثم ينتقل بنا لوميير الي المحور الثاني للفيلم يستعرضون فيه ثراء الارض والشعب المستعبد طوال الوقت من الاحتلال تارة ومن الحاكم تارة اخري بالاضافة للاقطاعيين مالكي الارض الزراعية , ومنها تصعد احداث الفيلم الي المحور الاخير وهو سرد لتاريخ بداية دخول اليهود ارض مصر القديمة ومحاولة زعزعة اقتصادها باستيلائهم علي اجزاء كبيرة من الاراضي الزراعية واستيراد العمالة اليهودية من الخارج لزراعة ارض المصريين حتي اصبح جزء كبير من الاراضي الزراعية المصرية وتحويلها الي مستعمرة يهودية صهيونية سميت في ذلك الوقت بـ كوم أمبو ومطالبتهم الحكومة باستغلال مياة نهر النيل الضائعة كحق لهم ومنها تم انشاء اول جمعية صهيونية لليهود المقيمين في مصر عام 1903 ولم تتوقف هجرة اليهود الي مصر الا عام 1907 عندما نادت الصهيونية باحتلال ارض فلسطين والهجرة اليها .
هذه اكثر الموضوعات الاساسية التي ركز عليها الاخوان لوميير في تصوير اول فيلم لهم في مصر والذي اتحفنا به الدكتور مدكور ثابت في بداية فيلمه الوثائقي عن دخول صناعة السينما الي مصر ودورها الهام في تأريخ احداث لم نكن لنراها بعد مائة عام الا من خلال اشرطة هذا الفيلم وغيره من الافلام النادرة عن التاريخ العربي , ربط بهم المخرج بين السينما والتاريخ ووضع السينما في مكانة بالغة الاهمية كوثيقة بصرية تسجل الزمن والحدث وتقف به عند لحظات حاسمة لن ينساها التاريخ , السينما القت بنا في قلب الحدث نشهد بأعيننا التاريخ ومجرياته .
ومن فيلم الاخوان لوميير يأخذنا المخرج الي وثائق سينمائية أخري سجلتها عدسة المخرج محمد بيومي الذي تمكن بإمكانياته البسيطة والمتاحه له في تلك الفترة من رصد عدة احداث سياسية مضت , وجعل من الكاميرا كائن حي يتفاعل مع الحدث يلتقط اهم واندر اللحظات التي قراءنا عنها كثيرا في كتب التاريخ , تتويج الملك فؤاد علي عرش مصر وقيام ثورة 1919 ونفي الزعماء وغليان شعب واحتلال اجنبي وغيرها من الاحداث التي عاصرتها كاميرا محمد بيومي لحظة بلحظة ومن شرائط محمد بيومي يتحقق لنا ان الفيلم الوثائقي اقدم عمرا من الفيلم الروائي فالسينما عرفت كفن من خلال لقطات واقعية للحياة اليومية ولناس عاديين , البطل الثابت في كل الافلام هو الشعب المصري فقد عمد المخرج مدكور ثابت الي ترسيخ صورة نمطية للمواطن المصري لم تتغير منذ عام 1809 وحتي نهاية الفيلم في العصر الحديث , صورة الشهيد الذي تشربت هذه الارض دماء ابنائه علي مر العصور ورغم ذلك لم ينقطع عن التصفيق بحرارة لكل من يراه صعد علي كرسي الحكم .
الي ان بلغت صناعة السينما مكانة هامة وفعالة في مصر فإنتقلت أعين صناع السينماتوجراف الي استثمار هذا النجاح وانتقلوا الي السينما التجارية والافلام الروائية الصامتة ومنها للافلام الناطقة و بدأ الشريط الوثائقي يهمل ويندثر بعد تطوير صناعة السينما رغم انه من اوائل تصنيفات انواع الافلام التي ظهرت مع ظهور الكاميرا السينماتوجراف لكنه ضاع في زحام السينما الروائية الطويلة لفترة , فاللقطات الارشيفية التي قدمها المخرج مدكور ثابت في فيلمه بعد سلسلة افلام المخرج محمد بيومي عبارة عن تجميعات لبعض اللقطات الحية من عدة افلام روائية تحمل سمة واحدة وهي واقعية المكان حيث شوارع القاهرة القديمة وحاراتها , والصاقها معاً لتعطي ملمح تاريخي عن فترة معينة اهملت فيها صناعة الفيلم الوثائقي , فمن حسن الحظ ان تلك الفترة سادت فيها افلام الواقعية التي نقلت الاجواء الشعبية بكل معالمها فكان تعويض غير مباشر عن حالة الفقر التي اصابت الفيلم الوثائقي .
ويمتد المخرج في سحر المشاهد داخل هذا الفيلم وكأن السحر انصب في رصد التاريخ السياسي المرير من عام 1809 وحتي العصر الحديث , بعد عرض فيلم الاخوان لوميير توقعت ان يستكمل المخرج تطور صناعة السينما في مصر واهم الاشرطة النادرة التي صورت واوائل الاعمال السينمائية التي انتجت وكيف اتخذت السينما المصرية مكانة عربية هامة ولكن المخرج وجد في تأريخ الحدث السياسي من وجهة نظر سينمائية سحر اكبر واشمل .
رغم ان السحر في هذا الفيلم ينتهي بالنسبة لي عند عام 1936 بنهاية حكم الملك فؤاد وبداية عهد الملك فاروق وما تبعه بعد ذلك من مأسي متعددة الا ان الفيلم يعتبر بكل الاحوال تحفة سينمائية شاملة ووثيقة بصرية تحاكي تاريخ امة علي امتداد اكثر من قرن مضي











